ويلاحظ في الصورة الأولى والثانية أن القتل هنا بالتسبب بالفعل حيث إن هذا الشخص بإهماله وعدم أخذه الحذر والاحتياط تسبب في القتل، وهذا ولا شك أنه قتل شبه عمد عند من يقول به، أو عمد عندمن لا يرى شبه عمد، ويسمى القتل بالتسبب.
وأما في الصورة الثالثة، فإن نسبة القتل إلى الشخص فيها مبنية على مسألة مشهورة عند العلماء وهي: هل الترك يعتبر فعلا بحيث يؤاخذ به التارك، أو لا يعتبر فعلا فلا يؤاخذ؟
فيه خلاف بين العلماء ذكره صاحب المذكرة في أصول الفقه فقال:"الثالث: الترك والتحقيق أنه فعل وهو كف النفس وصرفها عن المنهي عنه، خلافًا لمن زعم أن الترك أمر عدمى لا وجود له، والعدم عبارة عن لا شيء، والدليل على أن الترك فعل الكتاب والسنة واللغة."
وأما دلالة الكتاب على أن الترك فعل ففى آيات من القرآن العظيم كقوله تعالى: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} ، فسمى الله جل وعلا عدم نهى الربانيين والأحبار لهم صنعًا والصنع ارخص مطلقًا من الفعل فدل على أن ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فعل بدليل تسمية الله له صنعًا. وكقوله تعالى: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} فسمى عدم تناهيهم عن المنكر فعلا وهو واضح ولم أر من الأصوليين من انتبه لدلالة هذه الآيات على أن الترك فعل، وقال السبكي في طبقاته [1] : إن قوله تعالى:
(1) السبكي، تاج الدين، طبقات الشافعية الكبرى، المحقق: د. محمود الطناحي، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، ط الأولى: الثانية 1413 ه، ج 1، ص 100.