فَأَجَبْتُ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَصَرَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالطَّرِيقَةَ الْمُنْجِيَةَ الْمُرْضِيَةَ فِي مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ذَوِي الرُّتَبِ الْعَلِيَّةِ وَأَبْقَاهَا بِفَضْلِهِ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ وَجَعَلَ مُقَلِّدِيهِمْ ظَاهِرِينَ مَعْزُوزِينَ أَهْلَ سُنَّةٍ وَجَمَاعَةٍ , وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْقَائِلِ { إذَا ظَهَرَتْ الْفِتَنُ أَوْ الْبِدَعُ وَسُبَّتْ أَصْحَابِي فَلْيُظْهِرْ الْعَالِمُ عِلْمَهُ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا } . وَالْقَائِلُ { إذَا لَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا فَمَنْ كَتَمَ حَدِيثًا فَقَدْ كَتَمَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عَلَيَّ } . وَالْقَائِلُ أَيْضًا { مَا ظَهَرَ أَهْلُ بِدْعَةٍ إلَّا أَظْهَرَ اللَّهُ فِيهِمْ حُجَّةً عَلَى لِسَانِ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ } وَالْقَائِلُ أَيْضًا { أَهْلُ الْبِدَعِ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ } وَالْقَائِلُ أَيْضًا { أَصْحَابُ الْبِدَعِ كِلَابُ النَّارِ } وَالْقَائِلُ أَيْضًا { مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ } وَالْقَائِلِ { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ صَلَاةً وَلَا صَوْمًا وَلَا صَدَقَةً وَلَا حَجًّا وَلَا عُمْرَةً وَلَا جِهَادًا وَلَا صَرْفًا وَلَا عَدْلًا يَخْرُجُ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا تَخْرُجُ الشَّعْرَةُ مِنْ الْعَجِينِ } وَالْقَائِلُ { إذَا مَاتَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ فَقَدْ فُتِحَ فِي الْإِسْلَامِ فَتْحٌ } . وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِي التَّابِعِينَ وَأَهْلِ السُّنَّةِ الْمُنْحَصِرِينَ فِي مُقَلِّدِي الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَرْكَانِ الدِّينِ . أَمَّا بَعْدُ فَاعْلَمْ أَنَّ سَدْلَ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ ثَابِتٌ فِي السُّنَّةِ فَعَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَمَرَ بِهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَجْمَعَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى جَوَازِهِ فِيهَا وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ عِنْدَ مُقَلِّدِيهِمْ حَتَّى صَارَ كَالْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ , وَأَنَّهُ أَوَّلُ وَآخِرُ فِعْلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ صلى الله عليه وسلم . أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَوَّلُ فِعْلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ فَالْحَدِيثُ الَّذِي خَرَّجَهُ مَالِكٌ رضي الله عنه فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ قَوْلِهِ { كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ } وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّ أَمْرَهُمْ بِالْوَضْعِ الْمَذْكُورِ دَلِيلٌ نَصَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْدُلُونَ وَإِلَّا كَانَ أَمْرًا بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَهُوَ عَبَثٌ مُحَالٌ عَلَى الشَّارِعِ صلى الله عليه وسلم وَمِنْ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَادُوا السَّدْلَ , وَلَمْ يَفْعَلُوهُ إلَّا لِرُؤْيَتِهِمْ فِعْلَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم إيَّاهُ وَأَمَرَهُمْ بِهِ بِقَوْلِهِ { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } . وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهِ آخِرَ فِعْلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ اسْتِمْرَارُ عَمَلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا أَعْرِفُهُ يَعْنِي الْوَضْعَ فِي الْفَرِيضَةِ إذْ لَا يَجُوزُ جَهْلُهُمْ بِآخِرِ حَالَيْ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَلَا مُخَالَفَتِهِ لِمُلَازَمَتِهِمْ لَهُ وَلِضَبْطِ أَحْوَالِهِ وَاتِّبَاعِهِ فِيهَا فَلِذَا ضَمَّ مَالِكٌ عَمَلَهُمْ لِلْآيَةِ الْمُحْكَمَةِ , وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ السَّالِمِ مِنْ مُعَارَضَةِ الْعَمَلِ لَهُ وَالْإِجْمَاعِ , وَجَعَلَ الْأَرْبَعَةَ أُصُولَ مَذْهَبِهِ , وَأَمَّا الْقَبْضُ فِي الْفَرِيضَةِ فَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَتِهِ وَنَدْبِهِ وَإِبَاحَتِهِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى ثُبُوتِ فِعْلِهِ وَالْأَمْرِ بِهِ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْقَائِلُونَ بِنَدْبِهِ أَوْ إبَاحَتِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّتِهِ وَتَحْصُلُ فِيهِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ بَيَّنَهَا الْإِمَامُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ وَالْمَشْهُورُ مِنْهَا الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْكَرَاهَةُ وَحُجَّتُهُ فِيهَا تَرْكُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُ وَاسْتِمْرَارُهُمْ عَلَى السَّدْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فَدَلَّ عَلَى نَسْخِ حُكْمِ الْقَبْضِ . وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ فَهُوَ مِنْ خَيْرِ الْقُرُونِ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ صلى الله عليه وسلم بِالْخَيْرِيَّةِ وَأَنَّهُ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى إمَامَتِهِ وَأَمَانَتِهِ وَضَبْطِهِ وَدِيَانَتِهِ وَوَرَعِهِ وَصَلَاحِهِ وَاتَّفَقَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ تُقَدَّمُ عَلَى كُلِّ مَا يُخَالِفُهَا وَقَدْ تَلَقَّى الْأَئِمَّةُ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْهُ بِالْقَبُولِ قَائِلِينَ وَعَلَيْهَا أَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ