الْقَرَافِيُّ بَيْنَهُمَا قَالَ , وَالْفَرْقُ هَاهُنَا , وَهُوَ عُمْدَةُ السَّلَفِ , وَالْخَلَفِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ , وَتَعَالَى نَصَّبَ زَوَالَ الشَّمْسِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ , وَكَذَلِكَ بَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ فَمَنْ عَلِمَ سَبَبًا بِأَيِّ طَرِيقٍ لَزِمَهُ حُكْمُهُ فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ الْحِسَابُ الْمُفِيدُ لِلْقَطْعِ , وَأَمَّا الْأَهِلَّةُ فَلَمْ يَجْعَلْ خُرُوجَهَا مِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ سَبَبًا لِلصَّوْمِ بَلْ نَصَّبَ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ خَارِجًا عَنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ هُوَ السَّبَبُ فَإِذَا لَمْ تَحْصُلْ الرُّؤْيَةُ لَمْ يَحْصُلْ السَّبَبُ الشَّرْعِيُّ , وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ , وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم { صُومُوا لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ , وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ } , وَلَمْ يَقُلْ لِخُرُوجِهِ عَنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الصَّلَاةِ { أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } أَيْ لَمَيْلِهَا ا هـ . وَقَدْ قَبِلَهُ ابْنُ الشَّاطِّ , وَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ نَحْوُ ذَلِكَ , وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ يَجِبُ الِاقْتِصَارُ فِي الْقَضَاءِ , وَالْفَتْوَى , وَالْعَمَلِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَوْ الرَّاجِحِ , وَطَرْحِ الشَّاذِّ , وَالضَّعِيفِ , وَبِالْجُمْلَةِ لَا نَذْكُرُ وُجُودَ رِوَايَةٍ بِجِوَارِ الْعَمَلِ بِالْحِسَابِ عِنْدَنَا , وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّة بَلْ نَعْتَرِفُ بِهَا فِي الْمَذْهَبَيْنِ , وَلَكِنَّهَا شَاذَّةٌ فِيهِمَا , وَمُقَيَّدَةٌ بِخَاصَّةِ النَّفْسِ , وَبِالْغَيْمِ فَبَانَ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ ضَلَالٌ لَا يُوَافِقُ حَتَّى الرِّوَايَةَ الشَّاذَّةَ ; لِأَنَّهُمْ يَتَجَاهَرُونَ بِالصَّوْمِ أَوْ الْفِطْرِ قَبْلَ النَّاسِ , وَيَدْعُونَهُمْ إلَيْهِ مَعَ الصَّحْوِ , وَعَدَمِ إمْكَانِ الرُّؤْيَةِ لِضَعْفِ نُورِ الْهِلَالِ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ بَسَطَ اللَّهُ تَعَالَى يَدَهُ بِالْحُكْمِ زَجْرُهُمْ , وَتَأْدِيبُهُمْ أَشَدَّ الزَّجْرِ , وَالْأَدَبِ لِيَنْسَدَّ بَابُ هَذِهِ الْفِتْنَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْخَلَلِ فِي رُكْنِ الدِّينِ , وَمُخَالَفَةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ , وَعَلَى آلِهِ أَجْمَعِينَ , وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
# ( مَا قَوْلُكُمْ ) فِي شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ مَعَ قَوْلِ أَهْلِ الْحِسَابِ إنَّهُ لَا يُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ قَطْعًا فَهَلْ يُعْمَلُ بِهَا , وَيُطْرَحُ كَلَامُ أَهْلِ الْحِسَابِ أَوْ لَا أَفِيدُوا الْجَوَابَ ؟
فَأَجَبْت بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ , وَالصَّلَاةُ , وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ يُعْمَلُ بِشَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ , وَيُطْرَحُ كَلَامُ أَهْلِ الْحِسَابِ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الْحَطَّابُ , وَنَصُّهُ: لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ , وَقَالَ أَهْلُ الْحِسَابِ إنَّهُ لَا تُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ قَطْعًا فَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ لِقَوْلِ أَهْلِ الْحِسَابِ , وَقَالَ السُّبْكِيُّ , وَغَيْرُهُ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ إنَّهُ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ ; لِأَنَّ الْحِسَابَ أَمْرٌ قَطْعِيٌّ , وَالشَّهَادَةَ ظَنِّيَّةٌ , وَالظَّنُّ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعَ , وَنَازَعَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ا هـ , وَقَدْ سُئِلَ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ الْكَبِيرُ عَنْ قَوْلِ ابْنِ السُّبْكِيّ الْمَذْكُورِ . فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مَرْدُودٌ رَدَّهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ , وَيُؤَيِّدُ الْمُنَازِعَ فَرْقُ الْقَرَافِيُّ الْمُتَقَدِّمُ , وَسُئِلَ أَيْضًا عَنْ الشَّهَادَةِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ , وَقَدْ ثَبَتَتْ بِرُؤْيَتِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ , وَالْعِشْرِينَ الَّذِي تَلِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَةُ فَهَلْ يُعْمَلُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ أَمْ لَا ؟ لَمَّا اُشْتُهِرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا لَمْ يُرَ الْقَمَرُ يَوْمًا , وَإِنْ كَانَ تَامًّا لَمْ يُرَ يَوْمَيْنِ . فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُعْمَلُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ , وَلَا عِبْرَةَ بِمَا اُشْتُهِرَ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ عَوَّلَ عَلَى الرُّؤْيَةِ , وَنَزَّلَهَا مَنْزِلَةَ الْيَقِينِ , وَسُئِلَ أَيْضًا عَنْ مَغِيبِ الْقَمَرِ ثَالِثَ لَيْلَةٍ مِنْ رُؤْيَتِهِ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ فَهَلْ هُوَ قَادِحٌ فِي الرُّؤْيَةِ ; لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ لِسُقُوطِ الْقَمَر . فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يُقْدَحُ فِيهَا , وَيُعْمَلُ بِهَا , وَلَيْسَ فِي الْعَمَلِ بِهَا مُخَالَفَةٌ لِمَا ذُكِرَ لِحَمْلِهِ عَلَى الْغَالِبِ , وَالشَّارِعُ عَوَّلَ عَلَى الرُّؤْيَةِ , وَنَزَّلَهَا مَنْزِلَةَ الْيَقِينِ , وَأَلْغَى الْحِسَابَ بِالْكُلِّيَّةِ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم { نَحْنُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ , وَلَا نَحْسِبُ الشَّهْرُ هَكَذَا , وَهَكَذَا } , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ , وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ .