وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً , أَوْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِصَدَقَةٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبِيعُ وَلَا يَهَبُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا ابْنُ رُشْدٍ فِي رَسْمِ إنْ خَرَجَتْ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ . الْأَوَّلُ أَنَّ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَاهِبُ , أَوْ الْمُتَصَدِّقُ أَنْ يُبْطِلَ الشَّرْطَ وَيُمْضِيَ الصَّدَقَةَ , أَوْ الْهِبَةَ , فَإِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ , أَوْ الْمُتَصَدِّقُ , أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ , أَوْ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بَطَلَتْ الصَّدَقَةُ , أَوْ الْهِبَةُ , وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَمِثْلُهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَتَصَدَّقُ عَلَى الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ عَلَى أَنَّهُ إنْ بَاعَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ يُرِيدُ بِثَمَنٍ , أَوْ بِغَيْرِ ثَمَنٍ قَالَ لَيْسَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِشَيْءٍ وَمِثْلُهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَتَصَدَّقُ بِعَبْدٍ عَلَى أَنَّهُ يَخْدُمُهُ يَوْمَيْنِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَدَقَةٍ إنْ مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ فَالْهِبَةُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ عَلَى الرَّدِّ مَا لَمْ يُجِزْهَا وَيُمْضِهَا بِتَرْكِ الشَّرْطِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْوَاهِبَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَسْتَرِدَّ هِبَتَهُ , أَوْ يَتْرُكَ الشُّرُوطَ وَوَرَثَتُهُ بَعْدَهُ مَا لَمْ يَنْقَضِ أَمْرُهُ بِمَوْتِ الْمَوْهُوبِ فَيَكُونُ مِيرَاثًا عَنْهُ فَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ عَلَى الْإِجَازَةِ مَا لَمْ يَرُدَّهَا الْوَاهِبُ , أَوْ وَرَثَتُهُ بَعْدَهُ قَبْلَ فَوَاتِهَا بِانْقِضَاءِ أَمَدِ الشَّرْطِ , وَهُوَ مَوْتُ الْمَوْهُوبِ لَهُ الَّذِي حُجِرَ عَلَيْهِ الْهِبَةُ وَالْبَيْعُ طُولَ حَيَاتِهِ , وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ بَعْدَ هَذَا مِنْ سَمَاعِهِ . وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ وَالْهِبَةَ جَائِزَةٌ , وَهَذَا الْقَوْلُ يَأْتِي عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي حَبَسَ الدَّارَ عَلَى وَلَدِهِ وَشَرَطَ أَنَّ مَا احْتَاجَتْ إلَيْهِ مِنْ مَرَمَّتِهَا عَلَيْهِمْ أَنَّ الدَّارَ تَكُونُ حَبْسًا وَلَا يَلْزَمُهُمْ مَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ وَتَكُونُ مَرَمَّتُهَا مِنْ غَلَّتِهَا , وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا حِيزَ الْحَبْسُ وَفَاتَ بِمَوْتِ الْمُحْبَسِ . وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَيُرَدُّ إلَّا أَنْ يَسْقُطَ الَّذِي حَبَسَهَا شَرْطُهُ وَتَأْوِيلُهُ بَعِيدٌ فِي اللَّفْظِ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ إذَا جَعَلَ لِلْمُحْبَسِ حَقًّا فِي شَرْطِهِ وَجَبَ أَنْ يَتَنَزَّلَ وَرَثَتُهُ مَنْزِلَتَهُ فِيهِ . وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الشَّرْطَ عَامِلٌ وَالْهِبَةَ مَاضِيَةٌ فَتَكُونُ الصَّدَقَةُ بِيَدِ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْحَبْسِ لَا يَبِيعُ وَلَا يَهَبُ حَتَّى يَمُوتَ , فَإِذَا مَاتَ وُرِثَ عَنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ , وَهُوَ قَوْلُ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ فِي الْوَاضِحَةِ: وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّ الرَّجُلَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ فِي مَالِهِ مَا شَاءَ إنْ شَاءَ بِتَلِّهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَبَدًا , أَوْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ مِنْ الْآنَ , وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ الْمَنَافِعَ طُولَ حَيَاتِهِ وَجَعَلَ الْمَرْجِعُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَهُ يَقْضِي مِنْهُ دَيْنُهُ وَيَرِثُهُ عَنْهُ وَرَثَتُهُ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْغَرَضِ أَنْ يَسْتَدِيمَ الِانْتِفَاعُ بِمَا وَهَبَهُ وَيَرَى أَثَرَ هِبَتِهِ عَلَيْهِ . وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ: قَوْلُ سَحْنُونَ يَكُونُ ذَلِكَ حَبْسًا عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بِمَا شَرَطَ مِنْ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ , فَإِذَا مَاتَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ رَجَعَ ذَلِكَ مَرْجِعَ الْأَحْبَاسِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ وَقَوْلُ سَحْنُونَ هَذَا مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ فِي نَوَازِلِهِ فِي الَّذِي يَتَصَدَّقُ عَلَى رَجُلٍ بِعَبْدٍ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهُ وَلَا يَهَبَهُ سَنَةً , وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا تَدْخُلُ فِي مَسْأَلَةِ سَمَاعِ سَحْنُونَ فِي الَّذِي يَتَصَدَّقُ عَلَى الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ عَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِهِ إنْ بَاعَهُ بِثَمَنٍ , أَوْ بِغَيْرِ ثَمَنٍ إلَّا قَوْلَ سَحْنُونَ هَذَا ا هـ . قُلْت: يَعْنِي الْقَوْلَ بِأَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ يَكُونُ حَبْسًا , وَهُوَ ظَاهِرٌ , وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ نَوَازِلِ سَحْنُونَ أَعْنِي مَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ عَبْدًا أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهُ وَلَا يَهَبَهُ سَنَةً ثُمَّ هُوَ لَهُ بَعْد السَّنَةِ يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ تَجْرِي فِيهَا الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ وَلَا يَجْرِي فِيهَا قَوْلُ سَحْنُونَ إنَّهَا حَبْسٌ وَمِثْلُ مَسْأَلَةٍ بِرَسْمِ الْكِرَاءِ وَالْأَقْضِيَةِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ فِيمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِعَبْدٍ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدُمَهُ يَوْمَيْنِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا لَيْسَتْ بِصَدَقَةٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ إنَّمَا رَأَى أَنَّ الشَّرْطَ يُفْسِدُ الصَّدَقَةَ ; لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَطَ مِنْ خِدْمَتِهِ يَوْمَيْنِ كُلَّ جُمُعَةٍ , فَقَدْ