فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 865

حَجَرَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفَ فِي صَدَقَتِهِ بِالسَّفَرِ بِهَا وَالْوَطْءِ لَهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً وَالتَّفْوِيتِ فَصَارَ كَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ وَشَرَطَ عَلَى الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْحَبْسُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ جَازَ فِيهِ هَذَا الشَّرْطُ عَلَى مَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ وَأَجَازَ ابْنُ كِنَانَةَ هَذَا الشَّرْطَ فِي الْحَبْسِ وَالصَّدَقَةِ وَقَالَ إنَّهُ لَا يُفْسِدُ الصَّدَقَةَ بَلْ يَشُدُّهَا . وَالْمَعْنَى عِنْدِي فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَنَّهُ رَآهُ شَرِيكًا مَعَهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ بِمَا اسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ مِنْ خِدْمَتِهِ وَلِذَلِكَ أَجَازَهُ فِي الصَّدَقَةِ وَالْحَبْسِ ا هـ . فَأَشَارَ إلَى أَنَّهَا كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى تَجْرِي فِيهَا الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ . قُلْت: وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ الْجَارِي عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ صِحَّةُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَبُطْلَانُ الشَّرْطِ ; لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّحْجِيرِ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْءُ الْأَمَةِ ؟ فَالظَّاهِرُ بُطْلَانُ الشَّرْطِ وَقَالَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَفِيهًا , أَوْ صَغِيرًا فَيُشْتَرَطُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ , وَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ الْوِلَايَةِ لَمْ يَجُزْ كَانَ وَلَدَ الْوَاهِبِ أَوْ أَجْنَبِيًّا ا هـ . فَتَكَلَّمَ عَلَى الْحُكْمِ ابْتِدَاءً , وَلَمْ يُبَيِّنْ الْحُكْمَ بَعْدَ الْوُقُوعِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ اُنْظُرْ بِمَاذَا يُفَسِّرُ الْكِتَابُ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ مَا فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ الْوَاهِبُ , فَإِنْ بَتَلَهَا وَإِلَّا نُقِضَتْ ا هـ . وَالْقَوْلُ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ أَيْضًا وَوَجَّهَهُ بِمَا وَجَّهَهُ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ لَهُ وَجْهًا مِنْ النَّظَرِ ظَاهِرًا لَكِنَّ الْأَظْهَرَ عِنْدِي بُطْلَانُ الشَّرْطِ وَصِحَّةُ الْعَقْدِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( تَنْبِيهٌ ) قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَفِيهًا أَوْ صَغِيرًا قَالَ أَبُو عِمْرَانَ اُنْظُرْ مَا مَعْنَاهُ وَالسَّفِيهُ وَالصَّغِيرُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا وَلَا هِبَتُهُمَا بِشَرْطٍ أَمْ لَا قَالَ قَالَ أَبُو عِمْرَانَ لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يُبَاعَ عَلَيْهِ إذَا احْتَاجَ إلَى النَّفَقَةِ ; لِأَنَّ لِوَلِيِّهِ بَيْعُ عُرُوضِهِ لِلنَّفَقَةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا تُبَاعَ , وَيُبَاعُ غَيْرُهَا إنْ وُجِدَ قَالَ الْقَابِسِيُّ الْهِبَةُ جَائِزَةٌ وَهِيَ كَالْحَبْسِ الْمُعَيَّنِ , وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً لِسَفِيهٍ أَوْ يَتِيمٍ وَشَرَطَ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ مُطْلَقَةً عَلَيْهِ , وَأَنَّهُ لَا نَظَرَ لِوَصِيِّهِ فِيهَا نُفِّذَ ذَلِكَ الشَّرْطُ ا هـ . قُلْت: فِي هَذَا نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ إضَاعَةَ الْمَالِ لَا تَجُوزُ وَإِطْلَاقَ يَدِ السَّفِيهِ عَلَى الْمَالِ إضَاعَةٌ لَهُ فَتَأَمَّلْهُ , وَالصَّوَابُ بُطْلَانُ الشَّرْطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

( فَرْعٌ ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ الْجَوَابِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ بِجَارِيَتِهِ عَلَى رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَتَّخِذَهَا أُمَّ وَلَدٍ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا عَلَى الشَّرْطِ , وَإِنْ وَطِئَهَا فَهِيَ لَهُ حَمَلَتْ , أَوْ لَمْ تَحْمِلْ وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ يَعْنِي لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا حَتَّى يُوقِفَ الْمُتَصَدِّقُ إمَّا أَسْقَطَ شَرْطَهُ , أَوْ اسْتَرَدَّ الْجَارِيَةَ , فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُوقَفَ عَلَى ذَلِكَ تَخَرَّجَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ وَرَثَتَهُ يَتَنَزَّلُونَ مَنْزِلَتَهُ فِي ذَلِكَ فَيُخَيَّرُونَ فِي إسْقَاطِ الشَّرْطِ , أَوْ رَدِّ الْجَارِيَةِ مَا لَمْ تَفُتْ بِالْوَطْءِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَعِنْدَ أَصْبَغَ إنَّمَا تَفُوتُ بِالْحَمْلِ . وَالثَّانِي أَنَّ الصَّدَقَةَ تَبْطُلُ إنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَفُوتَ الْجَارِيَةُ بِوَطْءٍ , أَوْ حَمْلٍ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ فَالصَّدَقَةُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَلَى الْإِجَازَةِ حَتَّى تُرَدَّ , وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي عَلَى الرَّدِّ حَتَّى تُجَازَ . وَيَتَخَرَّجُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ثَالِثٌ , وَهُوَ أَنْ تَجُوزَ الصَّدَقَةُ وَيَبْطُلَ الشَّرْطُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْحَبْسِ يَعْنِي اشْتِرَاطَ التَّرْمِيمِ عَلَى الْمُحْبَسِ عَلَيْهِمْ ا هـ . وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ أَفَاتَهَا الْمُعْطِي بِعِتْقٍ , أَوْ تَدْبِيرٍ , أَوْ بَيْعٍ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا ; لِأَنَّهَا فَاتَتْ مِنْ غَيْرِ مَا أُعْطِيت لَهُ ا هـ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت