وَفِي طَلَاقِ السَّكْرَانِ اخْتِلَافٌ قَالَ: ابْنُ رُشْدٍ السَّكْرَانُ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: سَكْرَانُ لَا يَعْرِفُ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ , وَلَا الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ , وَسَكْرَانُ مُخْتَلِطٌ مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الِاخْتِلَاطَ مِنْ نَفْسِهِ فَيُخْطِئُ , وَيُصِيبُ , فَأَمَّا السَّكْرَانُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْأَرْضَ مِنْ السَّمَاءِ , وَلَا الرَّجُلَ مِنْ الْمَرْأَةِ فَلَا اخْتِلَافَ أَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ , وَأَقْوَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ , وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى , وَفِيمَا بَيْنَهُ , وَبَيْنَ النَّاسِ , وَأَمَّا السَّكْرَانُ الْمُخْتَلِطُ الَّذِي مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَفْعَالِهِ , وَأَقْوَالِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَجْنُونِ الَّذِي رُفِعَ عَنْهُ الْقَلَمُ , وَلَا يُحَدُّ فِي زِنًا , وَلَا سَرِقَةٍ , وَلَا قَذْفٍ , وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي قَتْلٍ , وَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقٌ , وَلَا طَلَاقٌ , وَلَا بَيْعٌ , وَلَا شَيْءٌ مِنْ الْأَشْيَاءِ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ , وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ , وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ طَلَاقَ السَّكْرَانِ لَا يَجُوزُ . وَالثَّانِي أَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ الَّذِي لَيْسَ بِسَكْرَانَ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّ مَعَهُ بَقِيَّةً مِنْ عَقْلِهِ يَدْخُلُ بِهِ فِي جُمْلَةِ الْمُكَلَّفِينَ , وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ نَافِعٍ أَرَى أَنْ يُجَازَ عَلَيْهِ مَا فَعَلَهُ مِنْ الْبَيْعِ , وَغَيْرِهِ , وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ . وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَفْعَالُ , وَلَا تَلْزَمُهُ الْأَقْوَالُ فَيُقْتَلُ بِمَنْ قَتَلَ , وَيُحَدُّ فِي الزِّنَا , وَالسَّرِقَةِ , وَلَا يُحَدُّ فِي الْقَذْفِ , وَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ , وَلَا عِتْقٌ , وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ , وَالرَّابِعُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْجِنَايَاتُ , وَالْعِتْقُ , وَالطَّلَاقُ , وَالْحُدُودُ , وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِقْرَارَاتُ , وَالْعُقُودُ , وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ رحمه الله تعالى , وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ , وَهُوَ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ , وَأَوْلَاهَا بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّ مَا لَا يَتَعَلَّقُ لِلَّهِ بِهِ حَقٌّ مِنْ الْإِقْرَارَاتِ , وَالْعُقُودِ إذَا لَمْ تَلْزَمْ الصَّبِيَّ , وَالسَّفِيهَ لِنُقْصَانِ عُقُولِهِمَا فَأَحْرَى أَنْ لَا يَلْزَمَ ذَلِكَ السَّكْرَانُ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِ بِالسُّكْرِ , وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ لِلَّهِ حَقٌّ يَلْزَمُهُ , وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالسُّكْرِ قِيَاسًا عَلَى مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْعِبَادَاتِ الَّتِي مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الصَّوْمِ , وَالصَّلَاةِ , وَأَشْبَاهِهِمَا تَلْزَمُهُ , وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِالسُّكْرِ , وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي نِكَاحِ السَّكْرَانِ , وَلَا أَرَاهُ جَائِزًا عَلَيْهِ , وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ قَالَ: وَاخْتُلِفَ إذَا قَالَتْ الْبَيِّنَةُ: إنَّهَا رَأَتْ مِنْهُ اخْتِلَاطًا , وَلَمْ تَثْبُتْ الشَّهَادَةُ بِسُكْرِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا , وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَحْلِفُ , وَلَا يَلْزَمُهُ نِكَاحٌ , وَلَا غَيْرُهُ , وَمِثْلُهُ الْمَرِيضُ يُطَلِّقُ , ثُمَّ يَدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْقِلُ عَلَى مَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ طَلَاقِ السُّنَّةِ . وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ , وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الْيَمِينِ , وَيَلْزَمُهُ النِّكَاحُ , وَغَيْرُهُ , وَهُوَ دَلِيلُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ سَلْمُونٍ .
# ( مَا قَوْلُكُمْ ) فِي نَازِلَةٍ , وَهِيَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلَاقًا مُخْتَلَفًا فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ أَوْ غَيْرِهِ بِالْبَيْنُونَةِ , وَالرَّجْعَةِ , ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْقَعَ الثَّلَاثَ فَهَلْ يَلْحَقُ بِهِ نَظَرًا لِلْمُخَالِفِ كَمَنْ طَلَّقَ فِي نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ , وَيَكُونُ مَحَلُّ قَوْلِهِمْ الْبَائِنُ لَا يُرْتَدَفُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ إذَا كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ أَوْ لَا ؟ أَفِيدُوا الْجَوَابَ .