فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 865

وَقَوْلُهُ إذَا تَعَارَضَتْ الْأَدِلَّةُ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ وَتَسَاوَتْ وَعَجَزَ عَنْ التَّرْجِيحِ . . . إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِغَيْرِ الرَّاجِحِ إلَّا بَعْدَ إمْعَانِ النَّظَرِ هَلْ فِي الْقَوْلَيْنِ رَاجِحٌ أَوْ لَا حَتَّى يَعْجِزَ وَيَحْصُلَ التَّسَاوِي . قُلْت لَا تَدَافُعَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ وَلَا تَنَاقُضَ لِأَنَّ مَا كُلِّفَ فِيهِ بِالنَّظَرِ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ يَكُونُ فِي الْقَوْلَيْنِ رَاجِحٌ وَمَرْجُوحٌ وَالْمُقَلِّدُ أَهْلٌ لِلتَّرْجِيحِ , وَحَيْثُ أَجَازَ الْحُكْمَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فَرَضَ الْقَوْلَيْنِ مُتَكَافِئَيْنِ لَا رَاجِحَ فِيهِمَا فِي نَظَرِهِ فَلَا تَدَافُعَ لِعَدَمِ شَرْطِهِ الَّذِي هُوَ اتِّحَادُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ , وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ . فَإِنْ قُلْت قَوْلُهُ أَمَّا الْحُكْمُ وَالْفَتْوَى بِمَا هُوَ مَرْجُوحٌ فَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ يُنَاقِضُ قَوْلَهُ فَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا جَازَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِالْمَشْهُورِ فِي مَذْهَبِهِ وَأَنْ يَحْكُمَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَاجِحًا عِنْدَهُ وَمُدَافَعٌ لَهُ قُلْت الَّذِي حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَمَنْعِهِ إنَّمَا هُوَ أَنْ لَا يُفْتِيَ بِالرَّاجِحِ فِي نَظَرِهِ وَلَا فِي نَظَرِ مُقَلِّدِهِ وَإِمَامِهِ مَعًا وَاَلَّذِي جَوَّزَ فِيهِ الْحُكْمَ وَالْفَتْوَى بِالْمَرْجُوحِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ رَاجِحًا فِي نَظَرِ مَتْبُوعِهِ مَرْجُوحًا فِي نَظَرِهِ هُوَ فَلَمْ يَخْرُجْ فِي مَحَلِّ الْجَوَازِ عَنْ الرَّاجِحِ جُمْلَةً وَفِي مَحَلِّ الْإِجْمَاعِ قَدْ خَرَجَ عَنْهُ جُمْلَةً , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . فَإِنْ قُلْت قَدْ نَصَّ ابْنُ رُشْدٍ صَاحِبُ الِاسْتِظْهَارِ عَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ الْمُقَلِّدَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ الْمُسْتَفْتِيَ عَلَى قَوْلٍ بِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْمِلُهُ عَلَى مَا لَيْسَ بِأَفْضَلَ وَإِنَّمَا الْمُفْتِي الْمُقَلِّدُ بِمَثَابَةِ مَنْ عِنْدَهُ وَصِيَّةٌ فِي بَيْتِهِ لِأَقْوَامٍ شَتَّى فَعَلَيْهِ أَنْ يُمَكِّنَ كُلَّ مَنْ لَهُ عِنْدَهُ وَصِيَّةٌ مِنْ وَصِيَّتِهِ فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ أَوْ تَرَكَ فَنَقُولُ هَذَا خِلَافٌ لِمَا قَدَّمْته وَمُبَايِنٌ لِمَا قَرَّرْته وَأَتْمَمْته قُلْت لَا مُخَالَفَةَ فِيهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَمَحْمَلُ هَذَا عَلَى الْمُقَلِّدِ الصِّرْفِ الَّذِي لَا حَظَّ لَهُ فِي مَدَارِك التَّرْجِيحِ لِأَنَّهُ قَدْ تَكَلَّفَ مَا لَيْسَ مِنْ وَظِيفَتِهِ بَلْ هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ النَّهْيِ فِي قوله تعالى { وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } وَهَذَا بَيِّنٌ ظَاهِرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ . وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ الَّذِي الْكَلَامُ الْآنَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ فِي جَوَابِهِ عَلَى حِكَايَةِ الْخِلَافِ مِنْ غَيْرِ إشَارَةٍ إلَى أَطْرَافِ التَّرْجِيحِ وَتَمْيِيزِ الْمَشْهُورِ وَالصَّحِيحِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَاخْتِيَارُ ابْنِ الصَّلَاحِ وَحَكَى الْبَاجِيُّ وَالْقَرَافِيُّ وَالشَّاطِبِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ وَظَاهِرُ فَتْوَى الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُد بْنِ عَلِيٍّ الظَّاهِرِيِّ الْأَصْبَهَانِيِّ الْجَوَازُ لِأَنَّهُ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ لَهُ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ لَهُ زَوْجَةٌ لَا هُوَ مُمْسِكُهَا وَلَا هُوَ مُطَلِّقُهَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ قَائِلُونَ يُؤْمَرُ بِالْإِنْفَاقِ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الطَّلَاقِ فَلَمْ تَفْهَمْ الْمَرْأَةُ قَوْلَهُ فَأَعَادَتْ , وَقَالَتْ رَجُلٌ لَهُ زَوْجَةٌ لَا هُوَ مُمْسِكُهَا وَلَا هُوَ مُطَلِّقُهَا , فَقَالَ لَهَا يَا هَذِهِ قَدْ أَجَبْتُكِ عَنْ مَسْأَلَتُكِ وَأَرْشَدْتُكِ إلَى طَلِبَتِكِ وَلَسْتُ بِسُلْطَانٍ فَأَمْضِيَ وَلَا قَاضٍ فَأَقْضِيَ وَلَا زَوْجٍ فَأُرْضِيَ فَانْصَرِفِي فَانْصَرَفَتْ الْمَرْأَةُ وَلَمْ تَفْهَمْ جَوَابَهُ وَسُئِلَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ رحمه الله تعالى عَنْ الْمُفْتِي يُخْبِرُ الْمُسْتَفْتِيَ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ . فَأَجَابَ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّ الْمُسْتَفْتِيَ إذَا اسْتَفْتَى الْمُفْتِيَ فَيُخْبِرُهُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ , وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ فِي أَيِّ الْأَقْوَالِ شَاءَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ أَبَا مُصْعَبٍ وَابْنَ وَهْبٍ فِي مَجْلِسٍ وَغَيْرَهُمَا كَذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَقْصِدَ أَيَّهُمَا شَاءَ فَيَسْأَلُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْمَلَ بِقَوْلِ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَهُمْ أَحْيَاءٌ أَوْ يَخْتَارَ مَا ثَبَتَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ قُلْتُ لِأَبِي مُحَمَّدٍ فَمَا تَقُولُ أَنْتَ فِي ذَلِكَ قَالَ أَمَّا مَنْ فِيهِ فَضْلُ الِاجْتِهَادِ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ لِنَفْسِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلُ الِاخْتِيَارِ قَلَّدَ رَجُلًا يَقْوَى فِي نَفْسِهِ فَاخْتِيَارُ الرَّجُلِ كَاخْتِيَارِ الْقَوْلِ انْتَهَى . قُلْت: وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْقَوْلِ بِجَوَازِ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ الْمَيِّتِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَغَيْرِهِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ , وَحَكَى الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ ; لِأَنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت