فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 865

كُلِّ حَالٍ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُنْفَرِدِينَ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ جَهِلَ مَا يَسْأَلُ عَنْهُ , وَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ سَبِيلَهُ فَالتَّقْلِيدُ لَازِمٌ لَهُ بِأَمْرِ أَصْحَابِهِ أَنْ يَقْتَدِيَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ إذَا تَأَوَّلُوا تَأْوِيلًا سَائِغًا جَائِزًا مُمْكِنًا فِي أُصُولٍ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَجْمٌ جَائِزٌ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ الْعَامِّيُّ الْجَاهِلُ بِمَعْنًى يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ دِينِهِ وَكَذَا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ مَعَ الْعَامَّةِ ا هـ . فَعَلَى قَوْلِ الْبَزَّازِ وَتَفْسِيرُ الْمُزَنِيِّ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ مَا فِي اسْتِدْلَالِكُمْ بِالْحَدِيثِ , وَعَلَى قَوْلِ أَبِي عُمَرَ تَفْسِيرُهُ فَالِاسْتِدْلَالُ نَاهِضٌ لَكِنَّهُ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ الَّذِي لَا مَيْزَ مَعَهُ وَلَا بَصَرَ . وَأَمَّا قَوْلُكُمْ وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ ظَوَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ فِي تَعَارِيفِهِمْ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ مَنْ قَلَّدَ عَالِمًا فَقَدْ بَرِئَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى , وَقَوْلُهُمْ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ فَجَوَابُهُ أَنَّ أَبَا عُمَرَ قَالَ الِاخْتِلَافُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِمَّنْ عَلِمْته مِنْ فُقَهَاءِ الْأَعْصَارِ إلَّا مَنْ لَا بَصَرَ لَهُ وَلَا مَعْرِفَةَ عِنْدَهُ وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِهِ ا هـ . وَقَدْ قَدَّمْنَا كَلَامَ الشَّاطِبِيِّ وَابْنِ الصَّلَاحِ صَدْرَ هَذَا الْجَوَابِ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ فَرَاجِعْهُ ثَمَّةَ وَطَالِعْهُ تَطَّلِعْ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ مَنْ قَلَّدَ عَالِمًا فَقَدْ بَرِئَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَعْنُونَ بِشُرُوطِهِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ عَلَى مَا نُصَّ عَلَيْهِ فِي التَّنْقِيحَاتِ نَقْلًا عَنْ الرِّيَاشِيِّ فَانْظُرْهَا . وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: وَكَقَوْلِهِمْ أَيْضًا فِي الْخَصْمَيْنِ إذَا رَضِيَا بِتَقْلِيدِ غَيْرِ الْمَشْهُورِ فَإِنَّ رِضَاهُمَا بِهِ بِمَنْزِلَةِ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَيَرْفَعُ الْخِلَافَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَتَصِيرُ الْمَسْأَلَةُ حِينَئِذٍ فِي حَقِّهِمَا إجْمَاعِيَّةً فَجَوَابُهُ أَنَّ الْقَوْلَ الشَّاذَّ حُجَّةٌ لِمَنْ قَلَّدَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ مِنْ الْحُقُوقِ الدِّينِيَّةِ مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَغَيْرِهِمَا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا عَنْ وَرَعِ الْعُدُولِ الْأَقْوِيَاءِ فِي نَيْلِ الثَّوَابِ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ تَعْزِيرٌ وَلَا حَدٌّ وَإِنَّ أَمْرَهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى حَدَّهُ وَتَعْزِيرَهُ إذَا أَقَرَّ بِالتَّعَمُّدِ لِأَنَّ الضَّعِيفَ لَا يُدْرَأُ كَمَا فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ عَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ . وَأَمَّا قَوْلُكُمْ إنَّ رِضَا الْخَصْمَيْنِ بِالشَّاذِّ بِمَنْزِلَةِ حُكْمِ الْحَاكِمِ إلَخْ فَكَلَامٌ صَحِيحٌ , وَالْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتُمْ لَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَنْزِعَ أَحَدُهُمَا . وَأَمَّا إنْ نَزَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ رِضَاهُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ وَتَرَاضِيهِمَا أَوَّلًا بِتَقْلِيدِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ يُصَيِّرُهُ كَقَوْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ وَخَالَفَ ابْنُ لُبَابَةَ وَابْنُ الْعَطَّارِ وَغَيْرُهُمَا فَقَالُوا لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا حُكْمُ الْحَاكِمِ , وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ إذَا كَانَ فِي النَّازِلَةِ قَوْلَانِ هَلْ يُجَوِّزُ الْفَتْوَى مَنْ سَبَقَ إلَيْهَا مِنْ الْخَصْمَيْنِ أَمْ لَا يُجَوِّزُهَا أَحَدٌ عَلَى الْآخَرِ إلَّا بِحُكْمٍ يَرْضَيَانِ بِهِ أَوْ السُّلْطَانِ , وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ التَّقْلِيدُ فِيمَا لَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي وَأَمَّا إذَا كَانَ التَّقْلِيدُ فِيمَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءٌ كَمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ وَالْقَوَاعِدِ وَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَالنَّصِّ الصَّرِيحِ فَلَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّقْلِيدِ إلَّا إذَا كَانَ لَهَا مُعَارِضٌ رَاجِحٌ عَلَيْهَا أَعْنِي لِلْقَوَاعِدِ , وَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ الصَّرِيحِ فَإِنَّهُ يَتِمُّ التَّقْلِيدُ وَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ إذَا كَانَ عَلَى وَفْقِ مُعَارِضِهَا الرَّاجِحِ إجْمَاعًا كَالْقَضَاءِ بِصِحَّةِ عَقْدِ الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالسَّلَمِ وَالْحَوَالَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ وَالنُّصُوصِ وَالْأَقْيِسَةِ لَكِنْ لَهَا أَدِلَّةٌ خَاصَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقَوَاعِدِ وَالنُّصُوصِ وَالْأَقْيِسَةِ , وَأَمَّا قَوْلُكُمْ لَا سِيَّمَا مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِ إمَامِ هَذَا الْمُقَلِّدِ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْقَوْلَ بِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ قَدْ عَابَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَشْيَاخِ الْمُحَقِّقِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ مِنْهُمْ أَبُو عِمْرَانَ وَأَبُو عُمَرَ وَعِيَاضٌ قَالَ عِيَاضٌ الْقَوْلُ بِمُرَاعَاةِ الْخِلَافِ لَا يُعَضِّدُهُ الْقِيَاسُ وَكَيْفَ يَتْرُكُ الْعَالِمُ مَذْهَبَهُ الصَّحِيحَ عِنْدَهُ وَيُفْتِي بِمَذْهَبِ غَيْرِهِ الْمُخَالِفِ لِمَذْهَبِهِ هَذَا لَا يَسُوغُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ التَّرْجِيحِ وَخَوْفِ فَوَاتِ النَّازِلَةِ فَيَسُوغُ لَهُ التَّقْلِيدُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ انْتَهَى . وَاخْتَارَ هَذَا أَيْضًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت