فهرس الكتاب
بَعْضُ الشُّيُوخِ أَهْلُ الْمَذْهَبِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ دَلِيلَيْ الْقَوْلَيْنِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مُتَعَارِضَيْنِ يَقْتَضِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضِدَّ مَا يَقْتَضِيهِ الْآخَرُ , وَهُوَ مَعْنَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ وَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ وَبِمُرَاعَاتِهِ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْقَضَاءُ بِالرَّاجِحِ لَا يَقْطَعُ حُكْمَ الْمَرْجُوحِ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ يَجِبُ الْعَطْفُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام { الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ } قَالَ وَهَذَا مُسْتَنَدُ مَالِكٍ فِيمَا كَرِهَ أَكْلَهُ فَإِنْ حَكَمَ بِالتَّحْلِيلِ لِظُهُورِ الدَّلِيلِ وَأَعْطَى الْمُعَارِضَ أَثَرَهُ فَتَبَيَّنْ مَسَائِلَهُ تَجِدْهَا عَلَى مَا رَسَمْت لَك وَمَعْنَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَّصِفَ بِأَعْمَالِ الصَّالِحِينَ وَصِفَاتِ الْأَبْرَارِ مِنْ تَوَقِّي الشُّبُهَاتِ رَاعَى قَوْلَ مَنْ قَالَ بِالتَّحْرِيمِ وَتَبَرَّأَ مِنْ الشُّبُهَاتِ , وَقِيلَ إنَّمَا يُرَاعَى الْخِلَافُ إذَا كَانَ قَوِيًّا وَلَا يُرَاعَى إذَا كَانَ شَاذًّا ضَعِيفًا . ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَاَلَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ مَسَائِلُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْإِمَامَ رحمه الله تعالى إنَّمَا يُرَاعِي مِنْ الْخِلَافِ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ وَإِذَا حَقَّقَ فَلَيْسَ بِمُرَاعَاةٍ لِلْخِلَافِ أَلْبَتَّةَ وَإِنَّمَا هُوَ إعْطَاءُ كُلٍّ مِنْ دَلِيلَيْ الْقَوْلَيْنِ حُكْمَهُ مَعَ وُجُودِ التَّعَارُضِ انْتَهَى . وَاخْتَلَفَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ فَمَرَّةً لَمْ يُرَاعِهِ جُمْلَةً , وَمَرَّةً رَاعَى الْقَوِيَّ , وَلَمْ يُرَاعِ الشَّاذَّ . وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَحْمَلَةُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَآخِذَ وَأُصُولًا ثُمَّ إذَا قُلْنَا بِمُرَاعَاةِ الْمَشْهُورِ وَحْدَهُ , وَهُوَ الْمَشْهُورُ فَمَا الْمَشْهُورُ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَشْهُورِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَصْلُهُ لِابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وَقَدْ أَجَازَ مَالِكٌ رحمه الله تعالى الصَّلَاةَ عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ إذَا ذُكِّيَتْ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى خِلَافِهِ وَأَبَاحَ مَا فِيهِ حَقٌّ تُوفِيهِ مِنْ غَيْرِ طَعَامٍ قَبْلَ قَبْضِهِ وَأَجَازَ أَكْلَ الصَّيْدِ وَإِنْ أَكَلَتْ الْكِلَابُ مِنْهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ وَلَمْ يُرَاعِ فِي ذَلِكَ خِلَافَ الْجُمْهُورِ , وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاعَى عِنْدَهُ الدَّلِيلُ لَا كَثْرَةُ الْقَائِلِ انْتَهَى . وَقِيلَ الْمَشْهُورُ مَا كَثُرَ قَائِلُهُ وَعَلَيْهِ لَا بُدَّ أَنْ تَزِيدَ نَقَلَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَقُولُ إنَّهُ يُرَاعَى الْمَشْهُورَ وَالصَّحِيحَ قَبْلَ الْوُقُوعِ خِلَافًا لِصَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ تَوَقِّيًا وَاحْتِرَازًا كَمَا فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَفِي قَلِيلِ النَّجَاسَةِ عَلَى رِوَايَةِ الْمَدَنِيِّينَ وَبَعْدَهُ تَبَرِّيًا وَإِنْفَاذًا كَأَنَّهُ وَقَعَ أَوْ فُتْيَا لَا فِيمَا يُفْسَخُ مِنْ الْأَقْضِيَةِ وَلَا يُقَلَّدُ مِنْ الْخِلَافِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُرَاعَى الْخِلَافُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ الْحُكْمُ لَا يُرَاعَى فِيهِ إلَّا الْمَشْهُورُ مُطْلَقًا وَقِيلَ لَا يُرَاعَى مِنْ الْخِلَافِ إلَّا الْمَشْهُورُ وَفِي الْإِمْضَاءِ بَعْدَ الْوُقُوعِ يُرَاعَى فِيهِ مَا دُونَهُ فِي الشُّهْرَةِ وَأَحْرَى الْمَشْهُورُ وَفِي دَرْءِ الْحَدِّ يُرَاعَى فِيهِ كُلُّ خِلَافٍ لِغَرَضِ الشَّارِعِ فِي الشَّبَهِ وَكَوْنِ حَقِّ الْآدَمِيِّ أَقْوَى مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ .