قال ابن كثير: فحاصل الأمر، أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] ، وأما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصيام، فله أن يفطر، ولا قضاء عليه، لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن، هل يجب عليه إذا أفطر أن يطعم عن كل يوم مسكينا إذا كان ذا جدة؟ فيه قولان للعلماء:
أحدهما: لا يجب عليه إطعام، لأنه ضعيف عنه لِسِنِّه، فلم يجب عليه فدية كالصبي، لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وهو أحد قولي الشافعي (وهو قول مالك، وأيّده ابن حزم) .
والثاني: وهو الصحيح، وعليه أكثر العلماء، إنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسّره ابن عباس وغيره من السلف، على قراءة من قرأ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ} أي: يتجشّمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البخاري (1) .
وقد يلحق بهذا النوع من أصحاب الأعذار: مَن كان يمتهن الأعمالَ الشاقة التي لا يقدر معها على الصوم، مثل عمال المناجم، أو الأفران أو غيرهم ممن لا يستطيعون الصوم، ولا يجدون فرصة للقضاء، فهم يفطرون ويفدون.
فإن كانوا يستطيعون القضاء في فصل الشتاء مثلا، حيث يقصر النهار، ويبرد الجوّ، ولا يصعب عليهم الصوم، جاز لهم الفطر في الحال، ووجب عليهم القضاء في المستقبل.
ومثلهم من يتعيش مِن عمل قائم على السفر، مثل السائق، والطيار، والبحار، إذا لم يجد أحدهم فرصة للقضاء، فيفطر ويفدي، والفديةُ: طعام مسكين، قدره بعض الفقهاء بمقدار (مد) وهو ربع صاع، وبعضهم بصاع من تمر أو طعام إلا القمح، فجعل منه نصف صاع، وبعضهم رأى إطعام المسكين ما يشبعه.
(1) انظر: تفسير ابن كثير (1/ 215) طبعة الحلبي.