يسعى الإسلام في كل تعاليمه وأحكامه، وتشريعاته وتوجيهاته إلى البيان والوضوح الكامل، حتى يتبين الناس الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وحتى يظهر لهم الحق أبيض ناصعا، ويظهر لهم الباطل أسود داجيا، ولهذا ذكر القرآن أن الله أرسل رسله ب (البينات) ، وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان (بينة) ظاهرة بدعوته وبسيرته، يقول القرآن: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً} [البينة: 1 - 2] . فمحمد هو البينة الواضحة من ربه على الناس.
ومن هذه وصف الله القرآن بأنه نزله {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] ، وقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111] .
ومن هنا نجد حرص الإسلام على أن يعرف حقائق الأشياء للناس كما هي، دون محاولة ممجوجة للتهوين منها، أو التهويل لها، أو إحاطتها بسياج من الغموض أو الألغاز التي يصعب فهمها على الناس. بل يجب أن تعرض وتُعرف كما هي في حقيقة الأمر، دون إخلال أو تبسيط يقلل من وزنها، ودون تضخيم أو تكبير يبسطها للناس ويوسعها، ولهذا قال تعالى على لسان نبيه شعيب: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الشعراء: 183] .
وبهذا يتعرف الناس على الأشياء والمعاني والأشخاص والحقائق، كما هي، ويعرفونها بعضهم لبعض كما هي، دون إخفاء لها، أو تنقيص منها، أو زيادة عليها، وهذه كانت مهمة الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله سبحانه إلى خلقه، ليعرفوا الناس بالله الذي خلقهم، وبالحق الذي يجب أن يؤمنوا به، وبما لخالقهم عليهم من حقوق، وكذلك بما لبعضهم على بعض، حتى يأخذ كل منهم حقه،