ويقول ابن القيم في (نونيته) الشهيرة، الموسومة ب (الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية) مشتكيا من حال الناس، وأن أكثرهم لا يهتمون بالمعاني والمقاصد، بل هم محبوسون في سجن الألفاظ، إلا القليلين، الذين فتح الله أعين بصائرهم، فنظروا إلى الحقائق، ولم يقفوا عند الظواهر وأسوارها، التي شغلت الكثيرين بل الأكثرين. يقول ابن القيم رحمه الله:
والناس أكثرهم بسجن اللفظ مس ÷ جونون خوف معرة السجان!
والكل إلا الفرد يقبل مذاهبا ÷ في قالب ويرده في ثان!
فمع اختلاف القوالب والصيغ، كم تختلف الأفكار والمعاني عند كثير من الناس، وكم يقبلون أمورا إذا عُرضت بصيغة معينة، ويرفضونها هي نفسها رفضا مطلقا إذا رفضت في صيغة أخرى.
والإسلام حريص كل الحرص على استخدام اللفظة المناسبة في المقام المناسب، ولا يحب أن تستخدم الألفاظ في معان لا تمت إليها، ولهذا رفض القرآن تسمية الأصنام، والآلهة المدعوة من دون الله تعالى، وأنكر على من فعلوا ذلك، وقال سبحانه وتعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى. تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى. إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 19 - 23] .
كما أنكر القرآن على الذين يضعون الأسماء غير اللائقة لمن أطلقت عليهم، كما سمى المشركون الملائكة تسمية الأنثى، كما قال تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19] ، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى. وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍّ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ واِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 27 - 28] .