وقد كنتُ في بداية كتاباتي أريد أن أُؤلِف كتابا عن العقيدة والحياة، ثم عدلت عن هذا العنوان، واخترتُ أن أسميه (الإيمان والحياة) ، انتقاء للكلمة القرآنية، فهي أحلى وأجلى وأبلغ من غيرها، وقد صدر من قديم، وطُبع عشرات المرّات بالعربية، وتُرجم إلى عدد من اللغات الأوربية والإسلامية، والحمد لله.
ومن هنا يتبيَّن لنا: أننا لا نريد بالعقيدة ما يريده بعض الناس بكلمة (الرأي) ، فإن كلمة (الرأي) يحتمل أنها مجرَّد تفكير للإنسان، قد يقتنع به أحيانا، فيدعو إليه، ويدافع عنه، وقد يتزعزع إيمانه، جزئيّا أو كليّا، فيضعف في نفسه، أو يزول بالكلية، وليس هذا شأن العقيدة، أو الإيمان الحقيقي، حين يستقرُّ في النفس وتخالط بشاشتُه القلوبَ، كما عرَف ذلك أهل الإيمان من المسلمين، ومن غيرهم.
والإيمان يزداد قوَّة وحدَّة في قلب صاحبه، كلَّما ازداد معرفة به، وانفتحت له آفاق لم تنفتح له من قبل، وكلَّما مارسه في حياته وأصبح عاملا حيًّا مؤثِرا في كيانه، كما ذكر القرآن عن إبراهيم عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] .
وكان الأستاذ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، حريصا كلَّ الحرص على أن يكون الرجال الذين ينتمون إلى دعوته وينضمون إلى ركْبه رجالَ عقيدة ودعوة، قبل أن يكونوا رجالَ غنيمة ومنفعة.
ومعلوم لدى الخبراء بالجماعات وتكوينها: أن هناك فرقا شاسعا بين النوعين من الرجال، فرجل الغنيمة والمنفعة، الذي ينضمُّ للدعوة، يكون فيها مهرجا، ولا يكون نافعا، ويكون دخيلا ولا يكون أصيلا، ويكون صوتا يُجعجع، دون أن يكون وراءه طحين يُؤكَل ويُنتفع به، كما قال العرب قديما في مِثْله: نسمع جعجعة ولا نرى طحْنا.