ومثله مَن ذمَّه الله في كتابه، قال سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ. وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 204 - 206] .
أما رجل العقيدة والدعوة، فهو عضو حيٌّ في جسد الجماعة، عامل لا يكلُّ، وناهض لا يتعطَّل، وناشط لا يتبطَّل، عقله يعمل ويفكر، وقلبه ينبض ويحبّ، ويده تصافح وتسلّم، ورجله تمشي إلى الخير ولا تضعف، ولسانه يذكر الله تعالى، ويتحدث مع الناس، يدعوهم إلى الخير، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويشارك مع العاملين في كل خير عامٍّ ينجزونه، ولا يتوانى عنهم، أو يتهرب من أعمالهم ومجهوداتهم، فله في كل أمر عام نصيب، وله في كل عمل سهم، وهو دائما يقول للخيرين: أنا معكم، فهو معهم بمجهوده، وهو معهم بماله، وهو معهم بلسانه، وهو معهم بنيته، «وإنما لكل امرئ ما نوى» (1) فالنية الطيبة هنا لها مقام كبير، فمن لم يستطع أن يبذل جُهدا ينتظر منه، فإنه مأجور بما عنده من نية صالحة، وقد يُكتب له أجر العمل عند الله، وإن لم يفعله أو يُتمه، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 100] .
والله تعالى يقول: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207] .
ورجل العقيدة قد سلّم نفسه لله تعالى: فقد اشترى منه نفسَه وماله بثمن عظيم، هو الجنة، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] .
(1) متفق عليه: رواه البخاري في بدء الوحي [1] ، ومسلم الإمارة [1907] ، عن عمر بن الخطاب.