في الثمار السنة والسنتين، فقال: «من أَسْلف في تمر، فليُسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» (1) ، يعني وضع ضوابط لهذا العرف حتى لا يحدث ضرر ولا ضرار، ولا نزاع، ولا جهالة، ولا غبن لأحد الأطراف، وهكذا.
بعض النصوص قد تكون مبنية على العرف، وهنا لو تعير العرف الذي بني عليه الحكم يمكن أن يتغير الحكم نفسه، إذا كنا متأكدين أن الحكم مبني على هذا العرف، وهذا ما ذهبتُ إليه وأنا أبحث في فقه الزكاة، رأيتُ النبي صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَسَلَّمَ جعل هناك نصابين للنقود في الزكاة، نصابًا بالفضة، ونصابًا بالذهب، عشرين مثقالا من الذهب، ومائتي درهم من الفضة، هل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين جعل هناك نصابين: هل قصد أن يكون هناك اختلاف بين الأغنياء بعضهم وبعض؟ ما هو النصاب؟ النصاب هو الحد الأدنى للغنى الموجب للزكاة، فصادف الأمر أنه كان في العهد النبوي عُملتان يتعامل الناس بهما؛ عملة فضية هي الدراهم، وعملة ذهبية هي الدنانير، مع العلم أن العرب في عهد النبوة لم يكن لهم نقود، النقود تأتيهم إما من فارس، وهي الأغلب، وهي الدراهم الفضية، وإما أن تأتيهم من الروم، من الدولة البيزنطية وهي العملة الذهبية، الدنانير الذهبية، وكان الدينار يصرف بعشرة دراهم، فجعل النصاب إما عشرين دينارا، أو مائتي درهم، كأنها عشرون دينارا، مضروبة في عشرة، ولم يقصد الرسول الكريم إلا التيسير على الناس ليدفع كل منهم بما هو عنده وما تيسر له، ولم يقصد أن يكون هناك نصابان متفاوتان أعظم التفاوت، كما رأينا في عصرنا. حيث نرى أننا إذا مشينا على هذا الأمر نجد أن نصاب الذهب متفاوت تفاوتا شنيعا عن نصاب الفضة، وما يريد هذا الشارع، إنما قصد
(1) متفق عليه: رواه البخاري في السلم [2240] ، ومسلم في المساقاة [1604] ، عن ابن عباس.