لهذا اجتهد كل من الذين ألفوا في التصوف والسلوك مثل القشيري، والهروي، وصاحب قوت القلوب أبي طالب المكي، والغزالي، وابن القيم، وغيرهم أن يوجهوا الأنظار والعقول والمعارف إلى أهمية أعمال القلوب في الطاعة، من النية والمعرفة، والإخلاص والتوكل، والزهد والرضا والحب، والخوف والرجاء، والصبر والشكر، وغيرها من الأعمال الروحية.
وكذلك حذروا من معاصي القلوب، من حب الدنيا، وحب المال، وحب الجاه، والرياء، والتعصب والحقد، والكبر والعجب، والبخل والجبن، وسائر خصال الشر القبيحة.
وإنما اشتد خطر هذه المعاصي والذنوب القلبية في نظر الإسلام لعدة أمور:
أولها: أ نها تتعلق بالقلب، والقلب هو حقيقة الإنسان؛ فليس الإنسانُ هو الغلاف الجسدي الطيني، الذي يأكل ويشرب وينمو، بل هو الجوهرة التي تسكنه، والتي نسميها: القلب، أو الروح، أو الفؤاد، أو ما شئت من الأسماء. وفي هذا قال عليه الصلاة والسلام: «ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب» (1) .
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم، وصوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم» (2) .
وجعل القرآنُ أساسَ النجاة في الآخرة هو سلامة القلب، كما قال تعالى على لسان إبراهيم: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ. يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 87 - 89] .
(1) سبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه.