وقد شرح ابن عابدين هذا في رسالة له اسمها: (نشر العَرْف في بناء بعض الأحكام على العُرْف) (1) ، فيها أحكام مبنية على العُرف، حتى إن النصوص نفسها - وخصوصا من السنة - تأتي أحيانا بناء على العرف، فإذا تغير العرف، فالمفروض أن يتغير الحكم، وإذا كان الأصل هو العرف، وعدل بعضه الشرع، وأبقى البعض الآخر كما هو، حيث جاء والناس على أعراف مختلفة، فأقر بعضها، وأنكر أو ألغى بعضها، فيجب أن يعترف الشرع بذلك إقرارا وإلغاء وتعديلا.
ففي البيوع وفي المعاملات، وجد الربا قائما، فألغى الربا ولم يقرّه، {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276] ، {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] ، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة: 278] .
وجد الاحتكار شائعا في التجارات، فمنع الاحتكار، وقال صلى الله عليه وسلم: «من احتكر فهو خاطئ» (2) أي: آثم، كما قال القرآن: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص: 8] ، وجد التلقي أو الجلب أو بيع الحاضر للبادي، كلها أشياء سائدة في الأسواق وفي المجتمع فأنكرها.
ولكن هناك أشياء أقرَّها، قد يقرها إقرارًا كليّا، وقد يقرها إقرارا جزئيا، وقد يُقرُّها بعد أن يضع لها حدودًا وضوابط، مثل: السَّلَم، وهو السَّلَف. وفي الاصطلاح الفقهي: هو (بيع آجل بعاجل) أو (دين بعين) . فقد جاء الإسلام وهم يُسلفون في الثمار، السنة والسنتين، فأقر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، ولكنه وضع له شروطا وضوابط، فعن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يُسْلِفُون
(1) مطبوعة ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين (2/ 114 - 148) بدون طبعة وبدون تاريخ.
(2) رواه مسلم في المساقاة [1605] ، عن معمر بن عبد الله القرشي.