وكانوا يحرصون على أن يكون لهم أجر من فرعون: {أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ} [الشعراء: 41] . قال فرعون: {نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الأعراف: 42] .
الآن رفضوا هذا كلَّه، وكلموا فرعون بلغة المعتَزّ بدينه، الذي يشعر بقوته وغلبته قائلين: {إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه: 72] .
ثم يبينون ماذا ينتظرهم من ثواب الله تعالى في الآخرة، وماذا ينتظر فرعون ومن معه من المجرمين.
هذا هو موقف رجل العقيدة، حين يلزم الأمر أن يضحي بنفسه، وأن يفرَّ إلى ربه من جور المستكبرين، وظلم الظالمين.
هذا هو رجل العقيدة، رجلٌ مِعطاء، رجل باذل، رجل شجاع، رجل لا يخاف في الله لومة لائم، ولا بطشة ظالم، بل يخوض كل معْمعة، ولا يبالي ما يصيبه فيها، معتمدا على ربه، متوكلا عليه: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} [الفرقان: 58] . {الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [العنكبوت: 59] .
أين هؤلاء من رجال يختفون عند الصرخة، ويهربون عند الشدائد؟ يكثرون عند الطمع، ويقلّون عند الفزع؛ لأنك لا تراهم إلا في السرادقات يوم الاحتفال، ولا تراهم أبدا ساعة المحنة، كالذين قال الله فيهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ. وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} [العنكبوت 10 - 11] .
من المُتفق عليه بين المسلمين كافة: أن العقيدة هي أساس العمل، وأن العمل وحده لا قيمة له عند الله إذا لم ينبثق عن الإيمان به تعالى أساسا، فأعمال الكافرين