ومن هنا علم القرآن المسلم ألا يورط نفسه فيما لا علم له به، ويسمي الأشياء بما لا يليق بها، وهو لم يشهد خلقها، ولم يعرف حقيقتها. ولذلك لا ينبغي أن يدخل في تسميتها، إنما يسميها من خلفها وسواها.
ولذلك حرص رسولنا الكريم أن يبين لنا الأسماء التي يحبها الله تعالى، والأسماء الأخرى الصادقة في مفهومها اللفظي، والأسماء المكروهة التي ينبغي للناس الإقلاع عنها، فقال: «أحب الأسماء إلى الله عز وجل: عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرّة» (1) ، وبهذا عرفنا: أن كلمة (حرب) من الأسماء المكروهة عند رسول الله، وعند المؤمنين به.
أما الأشياء التي يمكن أن يدخل فيها الاجتهاد والتطوير، مثل: قضية (الجزية) التي تؤخذ من أهل الكتاب من الكفار الذين لم يدخلوا في دين الإسلام، ومثلهم المجوس، وسائر الوثنيين الآخرين، كما هو مذهب الجمهور من الفقهاء، فهذه من القضايا القابلة للبحث، ويمكن لبعض الفقهاء أن يدخلوها في الاستثناء الوارد في هذا الجانب.
وهذا ما ذكرناه عند ما بحثنا في (فقه الزكاة) ووجدنا بعض الفقهاء، يستثنون من القواعد العامة أخذ الجزية من الكفار العرب، مثل بني تغلب، الذين كانوا نصارى، وطلبوا من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، أن يأخذ منهم ما يريد أخذه - ولو كان ضعف المأخوذ من المسلمين - ولكن باسم الزكاة، لا باسم الجزية، فرفض أول الأمر، ثم قبل منهم، وقال: هؤلاء حمقى، رضوا المعنى، وأَبَوا الاسم! (2) .
ولكن إباء الاسم قد يكون أمرًا مطلوبا في نفسه؛ لأنه يحقق للمرء مطلبا معنويا لا يقدره الكثيرون، ولكن من يحتاج إليه يُقَدره حق قَدْره.
(1) رواه أحمد [19032] وقال مخرجوه: إسناده ضعيف، وأبو داود في الأدب [4950] وصححه الألباني في الصحيحة [1040] ، عن أبي وهب الجشمي
(2) المغني لابن قدامة (9/ 344) ط: القاهرة، 1968 م.