فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 83

وقد أورده بعضهم على أنه حديث مرفوع، والصواب أنه موقوف رواه أحمد في مسنده.

ولكن معناه - وإن كان موقوفًا - صحيح في ميزان الشرع، الذي يرى رؤية المؤمنين معتبرة عند الله في المدح والقدح، فالله تعالى يقول: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105] ، فجعل رؤية المؤمنين معطوفة على رؤية الله ورسوله للعمل، كما قال تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 35] ، فجعل مقت المؤمنين معطوفا على مقت الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتم شهداء الله في الأرض» (1) .

وهذه القاعدة (العادة محكَّمة) يرجع إليها في العبادات والمعاملات جميعًا، وليست مقصورة على المعاملات، ولكنها في الواقع أكثر ما يحتاج إليها في العادات والمعاملات، لما للعرف القائم، والعادات السائدة من تأثير على معاملات الناس، وتصرُّفاتهم الدنيوية إلى حد كبير، بخلاف العبادات، فإنَّ تأثيرها أقل.

ولهذا كان كلٌّ من المفتي والقاضي في حاجة إلى معرفة العرف السائد، حتى لا يفتي أو يحكم بما يخالفه، فيقع في الخطأ، وهو لا يدري أو لا يقصد.

ولهذا نصَّ المحققون على أن الفتوى تتغيَّر بتغيُّر العرف، كما تتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان. وكذلك قضاء القاضي، إذ قضاء القاضي هو نوع من الفتوى، إلا أنه ملزم للمتقاضيين، والفتوى ليست ملزمة قضاء، وإن كانت ملزمة ديانة.

ومن هنا ن به العلماء الراسخون على ضرورة مراعاة المفتي للعرف السائد في كل بلد، وفي كل زمن، حتى لا يضل عن الحقيقة. وممَّن نبه على ذلك الإمام

(1) متفق عليه: رواه البخاري [1367] ، ومسلم [949] ، عن أنس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت