ولا شك أن هذا الكلام يصح لو كانت كلمة الحرية غير مستعملة إلا في هذا المعنى فقط، مع أن هناك بعض أمثلة وأقوال، تدل على أنها استعملت بمعنى الحرية السياسية، مثلما قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص أمام الملأ: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟! (1) .
ففي مثل هذا المعنى، وجدت الحرية السياسية، التي يتغنى بها العالم، وأصبحت كلمة عمر تُفتتح بمعناها الدساتير ومواثيق حقوق الإنسان.
حتى بغض النظر عن هذا، انظر إلى المعنى المضمون والمحتوى: فالحرية الدينية موجودة: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256] ، {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] . بل إن الإسلام رفض قبول إيمان أي واحد يؤمن تحت أي ضغط، إيمان فرعون لما كان تحت ضغط الغرق لم يقبل:
{حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس: 90 - 91] ، تقول آمنت ساعة الغرق؟! هذه ليست حرية، الإيمان المقبول هو الذي يأتي عن طواعية واختيار، تملك معه أن تقول: لا، وتملك أن تقول: نعم.
بل إن الحرية السياسية موجودة في الإسلام. فما معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ هو أكثر من حرية، لأن الأمر والنهي يكون واجبا أحيانا على فرد بعينه، إذا لم يوجد أحد غيره ليقوم به. فإذا وجد غيره ممن يستطيع أن يقول، صار الأمر والنهي حقا له.
وكذلك الحرية المدنية نجدها في الإسلام. فسيدنا عمر - وهو مَن هو في الحزم والشدة - قال له بعض الذين ضبطهم متلبسين باللهو المحرم في بيوتهم: إن كنا قد ارتكبنا خطأ، فقد ارتكبتَ يا أمير المؤمنين عدة أخطاء، تجسست علينا وقد
(1) محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب للمبرد، (2/ 473) ، نشر الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، الطبعة الأولى 2000 م.