فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 83

وقائل هذا الكلام إنما ينظر إلى كلمة (الحرية) لا إلى مضمونها. ولو أنصف وتأمل حياة المجتمع الإسلامي الأول، لتبين له أن الحرية الحق كانت دعامة من دعائمه. لا شك فيها، ولا خلاف عليها.

فحرية الاعتقاد، وحرية التعبد، وحرية الفكر، وحرية النقد، وحرية التعاقد، وحرية التنقل، والحرية الاقتصادية، والحرية السياسية، كلها كانت موفورة، بمقتضى نصوص الشريعة وقواعدها، وبموجب تقاليد المجتمع وآدابه، التي نشأت في أحضان الشريعة، وبوحي من العقيدة.

ويدخل في ذلك قول بعضهم: إن القرآن لم يعن بالشريعة، بدليل أن هذه الكلمة (شريعة) لم ترد بهذا اللفظ في القرآن إلا مرة واحدة، وفي القرآن المكي في سورة الجاثية، وذلك في قوله تعالى خطابا لرسوله الكريم: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَا تَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 18] .

فهم يتخذون من عدم تكرار هذه الكلمة في القرآن دليلا على عدم أهمية الأحكام الشرعية العملية في الدين.

ولو كان الأمر كما زعموا وتصوروا، لوجب أن نقول: إن القرآن لم يعن بالعقيدة قط؛ لأن كلمة (العقيدة) لم تُذكر في القرآن إطلاقا، ولا مرة واحدة.

والوجب أن نقول أيضا: إن القرآن لم يعن بالأخلاق؛ لأن كلمة (أخلاق) لم تذكر في القرآن إلا مرة واحدة في الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {واِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍّ عَظِيمٍّ} [القلم: 4] .

وهذا لا يقبله مسلم ولا عاقل قرأ القرآن، وإنما أوقع في ذلك الجري وراء الألفاظ والكلمات، التي استحدثها الناس بعد نزول القرآن، وأصبحت تحمل مدلولات معينة.

إنما الواجب أن نبحث عن (المضامين) في القرآن. فنجد أن القرآن قد حفل بقضايا العقيدة في الله تعالى، وفي الآخرة وجزائها، وفي الرسل والنبوات، وفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت