فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 83

ومع اعتراف العرب بالله خالقا للسماوات والأرض، وبارئًا للإنسان، ومدبرا لكل شيء، فإنهم أشركوا بالله سبحانه، وعبدوا معه آلهة أخرى، لا تملك لهم ضرا ولا نفعا، ولا بصرا ولا سمعا، وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] .

وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] .

والله سبحانه يرفض هذه الدعاوى، ولا يقبل من العمل الذي يُقدم إليه إلا ما كان منه خالصا لوجهه: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} [الزمر: 12،11] .

وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162 - 163] .

ومن هنا تقرر بكل وضوح: أنه لا صلاح لعمل عند الله، ما لم يكن مؤسسا على عقيدة ربانية صحيحة، وأساس هذه العقيدة هو التوحيد، والتوحيد الذي يُراد هنا ليس هو الاعتراف أن الله وحده هو خالقُ الكونِ كله علويِه وسفليِه، وخالق الإنس والجن والملائكة، وخالق الحيوانات والوحوش والطيور والحشرات، والأسماك والحيوانات المائية وغيرها، ما نبصر منها وما لا نبصر، فهذا الاعتراف كان يقول به عرب الجاهلية، الذين اعتبرهم القرآن مشركين وكفارا، كسائر الكفار والمشركين: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى. تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى. إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 23،19] .

إنما التوحيد الذي نريد هنا، هو: توحيد الإلهية، توحيد العبادة، الذي دعا إليه كل أنبياء الله ورسله: أنه لا يستحق العبادة إلا الله، ولا يُعبد أحد إلا هو، وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت