المجد) لفاتت تلك القوة؛ لأنه لا يؤتى باسم معرى من العوامل [1] إلا بحديث قد نوي إسناده إليه، فلا يأتي الحكم إلا بعد تأنس به [2] ، فجرى لذلك مجرى التوكيد. ونظير ذلك، الإضمار قبل الذكر كقوله تعالى:
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ [3] [الحج: (46) ] ، فإنه أبلغ من (إنّ الأبصار لا تعمى) . ومن ثم جاء الاسم مصدرا في جواب إنكار كقوله تعالى:
وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [4] [آل عمران: (75) ] . وجاء في ما اعترضه الشك [5] لقولك في جواب من قال لك: (كأنك لم يبلغك صنيع فلان) ، فتقول: (أنا أعلم ولكني أداريه) . وجاء في تكذيب مدع، نحو:
(1) الاسم المعرى من العوامل الذي قصده المؤلف هنا هو الضمير (هما) الوارد في البيت الشعري السابق: (هما يلبسان المجد ... إلخ) ، وكذلك الضمير (هم) الوارد في الآية السابقة: وَهُمْ يُخْلَقُونَ. ومعنى تعريته: أنه لم يسبق بعامل قبله يؤثر فيه. (ينظر:
«التبيان» (( 95 ) )).
(2) معنى هذا، أنك لو قلت: (عبد اللّه) ، فقد أشعرت السامع بأنك قد أردت الحديث عنه لأنه اسم معرى من أي عامل قبله. فإذا ذكرت الحديث بعده فقلت: قام، أو قلت: قعد، أو نحو ذلك، فإن ذكرك لهذا الحديث جاء بعد تأنس واطمئنان إليه؛ لأنه جاء قبله ذلك الاسم المعرى الذي يلفت النظر وهو اسم (عبد اللّه) . (ينظر: «التبيان» (( 95 ) )).
(3) جزء آية تمامها: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: (46) ] . والإضمار في هذه الآية الذي ورد قبل الذكر أي قبل ذكر الاسم، هو الهاء في: (فإنها) ، فهذا ما يسمى بضمير القصة أو الشأن، ويجيء مؤنثا ومذكرا. ويجوز أن يكون ضميرا مبهما يفسره الإبصار. (ينظر:
«التفسير الكبير» (( 45) / (23 ) ).
(4) جزء آية تمامها: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: (75) ] .
(5) أي: جاء الاسم مصدرا أيضا في المواضع الآتية التي يذكرها المؤلف هنا. وهذا هو الموضع الأول منها.