فهرس الكتاب
أثارت مسألة فقه الراوي وقبول روايته جدلًا بين فقهاء الحنفية خاصةً، فمنهم من اشترط أن يكون الرَّاوي معروفًا بالفقه، وقد تشعبت إلى أقوال، ستأتي في كلام الإمام اللكنوي الذي توسع في إيراد النقولات والأقوال لهذه المسألة، ثم خلوصه إلى رأي ارتضاه من بينها، وسيكون عرضي للمسألة باختلافاتها مع الاختصار لها من كلام الإمام اللكنوي:
يَقُولُ الْإِمَام اللَّكْنَوِيّ: (( إن اشتراط فقاهة الرَّاوِي لقبول الْحَدِيث المخالف للقياس، هُوَ مشرب بعض الْحَنَفِيَّة، وَإِنَّمَا يرى أكثر كتب المتأخرين مشحونة بِهِ لأن فخر الْإِسْلَامِ عليًا البَزْدَوي مشى عليه في أصوله، فتبعه المتأخرون لكونهم لا يمشون إِلا حيث مشى فخر الإِسلامِ، ويظنون أن كُلّ ما نصَّ عليه طريق إلى دار السلام.
وأما قدماء الحَنَفِيَّة ومحقِّقو متأخريهم، فلم يذهبوا إلى اشتراطه كما أشار إِليه ابن الهمام.
وفي (( شرح المنار ) )لابن ملك: اعلم أن اشتراط فقه الراوي لتقديم الخبر على القياس، مذهب عيسى بن أَبان، واختاره القاضي أَبُو زيد، وخرَّج عليهِ حديث المصراة، وتابعه أكثر المتأخرين، وأما عند الكَرْخي ومن تابعه مِنْ أصحابنا، فليس بشرط بل خبر كُلّ عدل مقدم على القياس، ما لم يكن مخالفًا للكتاب والسُّنَّة المشهورة، وإليه مال أكثر العلماء، ولهذا قبل عُمَر ـ رَضِي الله عَنْهُ ـ حَدِيث ابْن مَالِك فِي الجنين مَعَ أَنَّهُ لم يكن فقيهًا، وقضى به وإن كان مخالفًا للقياس، وأجابوا عن حَدِيث المصراة، بأنه إِنَّمَا لم يعملوا به لمخالفته للكتاب، وهو قوله تَعَالَى: { فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } (1) ، ويُمنع أن أَبَا هُرَيْرَة لم يكن فقيهًا، لأنه كان يفتي في زمنِ الصَّحَابَةِ، وما كان يفتي في ذلك الزمان إِلا فقيه مجتهدًا. انتهى كلامه )) (2) .
(1) من سورة البقرة، الآية (194) .
(2) الهسهسة )) (ص23) .