فهرس الكتاب
والجواب عنه أنَّ بالتفاوت في الفِقه يقع التفاوت في المروي أَيضًا. لا أَنَّهُ لا يقع به فيه أمر أصلًا، وذلك لأنَّ الرِّوَايَة بالمعنى قد شاعت بينهم وقلَّ مَنْ لم يُجوّزها منهم، فإذا كان الرواي فقيهًا يجتهدُ فِي فهم معاني اللفظ المرويّ، ويتأملُ فِي المعنى الظاهر والخفي، بخلاف غير الفقيه، فَإِنَّه يأخذ ظواهرَ المعاني ولا يصِلُ إلى بواطن المباني، فمن هَذِهِ الجهة يترجَّح الأوَّل عَلَى الثاني، وَلَا يكون عند التَّعارض ترجيحٌ للثاني …على أن هاهنا وجهًا آخَرَ لاعتبار التّرجيح بالفقاهة يشملُ ملتزمي الألفاظ وغيرهم مِنْ الأئمة والصحابة، وهو أنه قد يكون للحديث مَوْرِدٌ بِهِ ولا يتجاوزُ إلى غيره، وقد يكون لَهُ متعلَّقٌ ينكشفُ بضمّه المقصودُ، أَو متعلَّقٌ يَنْحَلُّ به المعقود، فالفقيهُ إِذَا رواه رواه بعد إحاطة الأطراف، وغير الفقيه يقتصر على رِوَايَة الأطراف، فتترجَّحُ عند التعارضِ مِنْ هذه الحيثية روايةُ الفقيه على غير الفقيه وإن تساويا فِي الضبط والعدالةِ وسائر شروط الصحة )) (1) .
ـ عموم البلوى:
المقصود بعموم البلوى: هو ما (( يحتاج كُلّ مسْلِم منذ عصر رَسُول الله ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ إلى معرفته، وبناء عَلَيْهِ فإن العادة تقتضي استفاضة نقله وشهرته ) ) (2) .
قال ابن الهمام: (( خبر الواحد فيما تعم به البلوى: أي ما يحتاج الكل إليه حاجة متأكدةً مع كثرة تكرُّره، لا يثبت به وجوب دون اشتهار أو تلقي الأمة بالقبول عند عامة الحنفية ) ) (3) .
(1) الأجوبة الفاضلة )) (ص210-219) .
(2) مناهج التشريع الإسلامي )) (ص310) .
(3) التحرير في أصول الفقه )) لابن الهمام (ص350) . مطبعة الحلبي . 1351هـ.