فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 583

ومعلومٌ أن الحنفية يقولون بتقليد الصحابي، وأنه يترك القياس إذا تعارض مع قوله فيما لا يدرك بالعقل، يَقُولُ العلامة النَّسَفيّ: (( تقليدُ الصَّحابي: واجبٌ يتركُ القياسُ بِهِ لاحتمالِ السَّماع مِنْ النَّبِيّ ـ عَلَيْهِ السَّلام ـ، وقال الكَرْخي: لَا يَجبُ تَقليدهُ إِلَّا فيما لَا يُدركُ بالقياسِ، وقال الشَّافِعِيّ ـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ـ: لا يُقلدُ أحدٌ منهم.

وقد اتفق عَملُ أصحابنا بالتَّقليدِ فيما لا يُعقل بالقياسِ، كما في أَقل الحيض )) (1) .

وما ذكره العلامة النسفي هنا مجملًا، وقد توسع الإمام اللكنوي في ذكر الخلاف الذي حصل في قبول قول الصحابي، مشيرًا إلى موافقته الجمهور في تقليدهم الصحابي فيما لا يدرك بالعقل، فقال رحمه الله: (( إنَّ قولَ الصحابيِّ وعمَلَهُ، ليس بحجةٍ على غيره من الصَّحَابَة. وأمَّا على غيرِ الصَّحَابَة، فهو حُجَّةٌ اتفاقًا إذا سَلَّمَه غيرُه من الصَّحَابَة؛ لأنَّهُ حينئذٍ في حُكمِ الإجماعِ الصَّريح أو السُّكُوتي.

وما اختُلِفَ فيه بينهم، فمن قال ـ فيما لا يُدرَكُ بالقياس ـ قولًا، فهو حجَّةٌ اتفاقًا بين الْحَنَفِيَّة والشَّافعيَّة وغيرهم مِن سائر أصحابِ المذاهب المشهورة، وكذا بين المحدِّثين النُّقَّاد، ولا عبرة بمخالفةِ من شَذَّ كابنِ حَزْم، وغيرِهِ، من سُفَهَاءِ الأمْجاد.

إلا أنَّ منهم مَن قَيَّد ذلك بكونِ الصَّحابي بحيث لا يأخذُ عن الإسرائليات، كابن عَبَّاس، وابن مَسْعُود، وأبي هُرَيْرَة، وعُمَر، وأبي الدَّرْدَاء، وغيرِهم.

ومنهم مَن أطلَقَ ذلك بحيث يَشمَلُ كلَّهم.

(1) المنار )) (ص21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت