فهرس الكتاب

الصفحة 295 من 583

4ـ الجمع بين الرواية التي ترك الراوي العمل بها، وعمل بغيرها، فالحنفية يرون إن عمل خلاف ما روى يوجبُّ الطعنَ فيها؛ فيكون سببًا في إسقاط العمل بها يقول العلامة النَّسَفيّ: (( والمروي عنه إِذَا أَنكرَ الرِّوَايَة أَو عمل بخلافه بعد الرِّوَايَة، ومِمَّا هو خلافٌ بيقينٍ، يَسقطُ العلمُ بِهِ، وإن كَانَ قَبلَ الرِّوَايَة أَو لم يعرف تاريخه، لم يكن جرحًا وتعيين بَعضِ مُحتملاتِهِ لا يَمنعُ العلمُ به، والامتناع عَن العملِ به مثل العملِ بخلافهِ.

وعملُ الصَّحابي بخلافه يوجبُ الطَّعن، إِذَا كان الحَدِيث ظاهرًا لا يحتملُ الخفاء عليهم )) (1) .

لكن الإِمَام اللَّكْنَوِيّ لم يسقط العمل بالرواية؛ بسبب عمل الصحابي بخلافها، فالصحابي ظهرت له قرائن رجَّحت ما ذهب إليه، ولم تظهر لغيره، فلا تكون سببًا في أن يخرج النص عن ظاهر الاحتجاج.

هذا هو الرأي الذي خلص إليه الإمام اللكنوي بعدما عرض الاختلاف في المسألة، فقال: (( فيه خلافٌ بين الأئمة وفقهاء الأمة، فَإِنَّه إِذَا رَوَى الصحابيُّ حديثًا، فلا يخلو إما أن يكون مُحتمِلًا للمعاني ولم يكن واحدٌ منها ظاهرًا، كالمشترَكِ والمُجمَل ونحو ذلك، فحُمِلَ على أحَدِ مَحملَيه، فالمتعيّنُ ذلك المحملُ عند الجمهور، منهم الشَّافعيَّةُ وبعضُ الْحَنَفِيَّة، لأنَّ الظَّاهر مِنْ حاله عدمُ حَمْلِه عليه إِلا بقرينة ظهرت له، والصَّحابيُّ العارف بأحوالِ النَّبِيّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ، الواقفُ على أسرارِهِ أعرفُ بذلك من غيره، فكان حَمْلُه بيانًا منه أنَّ النَّبِيّ ـ صَلَّى اللهُ عليهِ وَعَلى آلهِ وَسَلَّم ـ أراد ذلك، فلا يُتْرَكُ تأويلُه إِلا بالأقوى منه، وخالفَ فيه أكثرُ الحنفيةِ حيث قالوا: لا يجبُّ تقليدُ تأويلِ الصحابي بجواز أن يكون حملهُ عليه برأيه فلا يبطُلُ به احتمال آخَرُ شمِلَه النصُّ.

(1) المنار )) (ص18) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت