فهرس الكتاب
التصحيح والتضعيف من المسائل الاجتهاد الظنية التي يختلف النظر فيها من عالمٍ لآخر، فأحاديث كثيرة يوجد في تصحيحها وتضعيفها كثير من الأقوال المتعارضة، والجمع بين هذه الأقوال المتعارض أمر ليس باليسير، ولا بدَّ فيه من ضوابط معينة تحكم العالم في ترجيحه بينها، واختياره الراجح منها، والإِمَام اللَّكْنَوِيّ أوضح هذا المسألة بوضع الخطوات المناسبة لاتباعها في الخروج من هذا التعارض الذي له عدَّة صور، فقال رحمه الله: (( واعلَمْ أنَّ ما اتَّفَق الحُفَّاظُ على صِحَّتِهِ، أو حُسْنِه، أو ضَعْفِه، أو على وَضْعِه، الأمرُ فيه ظاهر، وهو قبولُ قولِهم، بناءً على أنَّ صاحبَ البيت أدْرَى بما فيه. ولا يُعارِضُ قولَهم قولُ غيرِهم فقيهًا كان أو صوفيًا، مفسِّرًا كان أو متكلمًا، فإنه لا عبرةَ لقولِ من لم يَتبحَّر في فَنِّ الأسانيد في بابِ صحَّةِ الأحاديثِ وسَقَمِها ووَضْعِها عند وجودِ أقوال المَهَرَةِ فيه.
وأمَّا إذا اختلفوا فيما بينهم، فالأمرُ عَسير، والاختلافُ فيما بين جَهابِذَةِ الحديثِ في هذا البابِ غيرُ قَليل، وعند ذلك يُطلَبُ التَّرجيحُ بوجهٍ من الوجوهِ، فيُؤخَذُ بالمرجَّح، ويُترَكُ ما سواه.
وله طُرقٌ كثيرةٌ:
1ـ منها: أن يُدقَّقَ النظرُ فيما قَالَهُ الفريقانِ، ويُنظَرَ فيما به حَكَمَ بعضهم بالوضعِ أو بالضعفِ، وبعضُهم بالصّحَّة، بنَظَرِ التأملِ والعِرفان، فيُؤخَذُ بما وَضَحَتْ صِحَّتُه، ويُتركَ ما ظَهَر سَقَمُه. 2ـ ومنها: أن يكونَ صاحبُ أحَدِ القولينِ متساهلًا في التَّحسين والتصحيح، والآخَرُ مُنقِّحًا ومُفَتِّشًا مُهْتَمًّا بالتَّحقيقِ والتَّنقيح، فحينئذٍ يُرجَّحُ قَولُ غَيرِ المُتساهلِ على قولِ المتساهلِ، كالحاكم صاحبِ (( المستدرك ) )، فإنهم بأجمَعِهم نَصَّوا على أَنَّهُ لا اعتمادَ على تَصحيحه...