فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 583

لكن فيه خدْشةً مِن حيث إنَّ إخراجَ نصٍّ شرعيٍّ عَن العمل به مع إمكانِ العملِ به غيرُ لائق، فالأولى أن يُطلبَ الجمعُ بين المتعارِضَينِ بأي وجهٍ كان بشرطِ تعمُّقِ النَّظرِ وغوصِ الفكر، فإن يمكن ذلك بوجهٍ مِن الوجوه، أَو وُجِدَ هناك صَريحًا ما يدلُّ على ارتفاعِ الحكمِ الأولِ مُطلقًا: صيرَ إلى النَّسخ إِذا عُرفَ ما يدلُّ عليه. وهذا هو الذي صرَّح به أهلُ أصول الحَدِيث )) (1) .

وزاد تفصيلًا في تأكيد رأيه بتقديم الجمع على النسخ بأن معرفة تاريخ أحد الدليلين لا توجب النسخ ما لم يتعذر الجمع بينهما، ولا بدَّ من نص الشارع على نسخ أحدهما للآخر، فقال رحمه الله: (( والحقُّ الحقيقُ الذي يرتضيه نُقَّادُ الفحولِ في هذا الباب:

أن يُقَالَ: عِلْمُ التاريخ لا يوجب كونَ المؤخَّرِ ناسخًا والآخَرِ منسوخًا ما لم يتعذَّر الجمعُ بينهما، وليس للجمع حدٌّ ينتهي به، فإن لم يظهر لواحدٍ طريقٌ لا يَلزَمْ منه التعذُّرُ؛ لإمكان ظهوره لآخَر.

وكذا قولُ الصحابي: آخرُ الأمرينِ إِنَّمَا يعرِّفُ التاريخ، وهو أمرٌ آخرُ، ولا يلزَمُ منه النَّسخ، ومن جعَلهما مُعَرِّفًا للنَّسخ لم يُرِد به أنهما كلَّما وُجِدَا وُجِدَ النسخُ، بل أراد أنهما مِن أماراته فقد يُوجد. ومن هنا نرى أراءَ العلماء في المسائل الفرعية المبنية على الأخبار النبوية مختلفةً: فكم مِن مبحثٍ جعل فيه طائفةٌ مِن العلماء النصَّ المتأخرَ ناسخًا ؟ مستندًا بالتاريخ أَو بشهادة الصحابيّ، بأنه آخِرٌ مِن حيث التَّاريخ، بناءً على أَنَّهُ لم يظهر له وجه الجمع وظهر للطائفة الأخرى فيه الجمعُ، فَتركوا القَولَ بالنسخ، كما لا يَخفَى على مَن وَسَّع النَّظر ودقَّق الفِكَر.

(1) الأجوبة الفاضلة )) (ص183-184) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت