وقد يتوهم بعضهم من كلام الحصكفي هذا أن علم الفقه أهم وأولى من تعلم القرآن الكريم ولهذا سأردفه بقول ابن عابدين ليتوضح لنا المراد.
قال ابن عابدين: (( في (( البزازيةِ ) ): [مَنْ] تَعلمَ بَعضَ القرآنِ وَوجدَ فَراغًا، فالأفضلُ الاشتغالُ بالفقهِ؛ لأنَّ حفظَ القرآن فَرضُ كفاية، وَتعلمِ ما لا بُدَّ من الفقهِ فَرض عين )) (1) .
وقال الخادمي: (( إنَّ الفقه هو ثَمرةُ الحديثِ، وليس ثوابه أَقل من ثَوابِ الحديثِ، وكلُّ إنسانٍ غير الأنبياء لا يَعلم ما أَراد الله لَه وَبِهِ، وإرادته تعالى غَيب إلا الفقهاء، فإنَّهم عَلموا إرادة الله تعالى لَهم بِالحديثِ الصَّادقِ المصدَّقِ: (( مَنْ يُرد الله به خيرًا، يُفقهه في الدِّين ) )، كذا في (( الدّرر ) )عن (( الأشباه ) )، وَفي (( التاترخانية ) )ما عُبدَ الله بِشيءٍ أَفضل من فقهٍ في دين، وَفقيهٌ واحدٌ أشدُّ على الشيطانِ من ألفِ عابدٍ، وَلكلِّ شيءٍ عِماد وعِمادُ هذا الدِّين الفقه )) (2) .
وقال الكَاسَاني: (( فإنَّهُ لا عِلمَ بعد العلم بالله وصفاته أَشرف من عِلم الفقه، وهو المسمَّى بعلم الحلال والحرام وعِلم الشرائعِ والأحكام، له بُعث الرسل وأنزلَ الكتب إذ لا سبيل إلى معرفته بالعقلِ المحضِ دون السمع، قال الله تعالى: { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا } (3) ، قيل: في بَعض وجوهِ التأويل هو علم الفقه )) (4) .
(1) رد المحتار على الدُّر الْمُخْتَار )) (ج1/ص27) لابن عابدين. دار إحياء التراث العربي. بيروت.
(2) الدرر على الغرر )) (ج1/ص4) . للعالم الفاضل عَبْد الحليم. در سعادت. 1311م.
(3) من سورة البقرة، الآية (269) .
(4) بدائع الصنائع )) (ج1/ص2) . للكاساني. دار الكتب العلمية. ط2. 1982م.