فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 70

ففي"التاج المهذب"، لأحكام المذهب للصنعاني - الصواب التاج المذهب لأحكام المذهب تأليف أحمد بن يحيى بن المرتضى الزيدي - ما نصه: (فصل: في الفرق بين ضماني المباشرة والتسبيب في جناية الخطأ،"و"اعلم أن جناية،"المباشر مضمون"على فاعله،"وإن لم يتعد فيه"يعني في فعله،"فيضمن"المباشر،"غريقا أمسكه"يريد إنقاذه فَثَقُلَ عليه وخشي إن تم الإمساك أن يتلفا معا،"فأرسله"من يده،"لخشية تلفهما"معا وإن كان في الأصل محسنا بإرادة إنقاذه ولما خشي على نفسه أرسله في الماء حتى مات، فإنه مباشر في هذه الجناية، ولا يجوز له أن يستفدي نفسه بقتل غيره، ولهذا وجب الضمان للغريق، وذلك بالقود للمرسل له، وسواء أرسله بعد أن خرج رأسه من الماء أم قبل ذلك، وإن عفا عنه سلم الدية من ماله أو هو مباشر، فإن كان الغريق هو الممسك واستفدى نفسه بالإرسال، فلا ضمان، فإن هلك الممسك - بفتح السين - بإمساك الغريق ضمنه من ماله، فإن هلك الممسك ونجا الغريق؛ قتل به) .

وما أحسن كلام ابن القيم في"إعلام الموقعين"، عندما قال في الرجل الذي اعترف أنه هو الزانى، لما رأى أن غيره سيؤخذ به، فقال: (وأما سقوط الحد عن المعترف، فإذا لم يتسع له نطاق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأحرى أن لا يتسع له نطاق كثير من الفقهاء، ولكن اتسع له نطاق الرءوف الرحيم، فقال: إنه قد تاب إلى الله وأبى أن يحده، ولا ريب أن الحسنة التي جاء بها، من اعترافه طوعا واختيارا خشية من الله وحده وإنقاذا لرجل مسلم من الهلاك، وتقديم حياة أخيه على حياته واستسلامه للقتل؛ أكبر من السيئة التي فعلها) .

والشاهد قوله: (وإنقاذا لرجل مسلم من الهلاك، وتقديم حياة أخيه على حياته واستسلامه للقتل؛ أكبر من السيئة التي فعلها) ، وأصل القصة في النسائي.

قال ابن القيم رحمه الله في"إعلام الموقعين":(وقد روينا في سنن النسائي، من حديث سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه: أن امرأة وقع عليها في سواد الصبح، وهي تعمد إلى المسجد، بمكروه على نفسها، فاستغاثت برجل مر عليها وفر صاحبها، ثم مر عليها ذوو عدد، فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه، وسبقهم الآخر، فجاءوا يقودونه إليها، فقال: أنا الذي أغثتك، وقد ذهب الآخر.

قال: فأتوا به نبي الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته أنه الذي وقع عليها وأخبر القوم أنهم أدركوه يشتد.

فقال: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني.

فقالت: كذب، هو الذي وقع علي.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"انطلقوا به، فارجموه".

فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني، فأنا الذي فعلت بها الفعل، فاعترف فاجتمع ثلاثة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذي وقع عليها والذي أغاثها والمرأة - فقال:"أما أنت فقد غفر لك"، وقال للذي أغاثها قولا حسنا، فقال عمر: ارجم الذي اعترف بالزنى، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم؛ فقال:"لأنه قد تاب إلى الله") .

ثاني عشر: مما يعلم أن جمهور الفقهاء - كما في - (حاشية الدسوقي 2/ 187 والمغني لابن قدامة10/ 447، ومغني المحتاج4/ 224، والفتاوى لابن تيمية ج 28ص538.) .

اتفقوا على جواز قتال العدو، بل وجوبه، إن كان هناك ضرر بتركه، حتى وإن أدى ذلك إلى قتل الترس البشري من المسلمين.

ولنا أن نقول: من المعلوم أن قتل المسلم لأخيه أعظم من قتله لنفسه - كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في"الفتاوى"، وكذا ابن حجر في"الفتح"وغيرهما - لأن قتل المسلم لأخيه يتوجب عليه حقان، الحق الأول لله، والحق الثاني لأخيه، وأما قتله لنفسه ففيه حق واحد لله، فإذا جاز قتل الترس البشري المسلم على أيدي المسلمين من أجل مصلحة الدين وإعلاء كلمة الله، أفلا يجوز قتل المسلم نفسه بنفسه إعلاءً لكلمة الله وحفاظًا على المسلمين من أن يقتلوا أو تنتهك أعراضهم وتستباح بيضتهم، حيث لا يمكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت