وقد فعل ذلك جماعة من الصحابة: ففي"الموطأ"عن عمر أنه قال"اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط"وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن عمر.
وأخرج أحمد وغيره من طريق عبس ويقال عابس الغفاري أنه قال"يا طاعون خذني. فقال له عليم الكندي: لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يتمنين أحدكم الموت؟ فقال: إني سمعته يقول: بادروا بالموت ستا، إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم"الحديث.
وأخرج أحمد أيضا من حديث عوف بن مالك نحوه وأنه"قيل له: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما عمر المسلم كان خيرا له"الحديث، وفيه الجواب نحوه.
وأصرح منه في ذلك حديث معاذ الذي أخرجه أبو داود وصححه الحاكم في القول في دبر كل صلاة وفيه"وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون".) أ. هـ. فتح الباري 10/ 156.
نعم يجوز له ذلك بضوابط منها:
1 -أن يكون قد وقع في يد الأعداء فعلًا.
2 -أن لا يكون قصده التخلص من التعذيب.
3 -أن تكون الأسرار التي معه مهمة يترتب على كشفها ضرر كبير من هزيمة المسلمين أو قتل بعضهم.
4 -أن يكون قصده من قتل نفسه دفع الضرر عن المسلمين.
وقد ذكر الأدلة على هذه المسألة عبد العزيز بن صالح الجربوع في كتابه الذي بعنوان (المختار في حكم الانتحار خوف إفشاء الأسرار)
وأنا هنا انقل كلامه بنصه للفائدة قال:
(بيان أدلة جواز الانتحار خوف إفشاء الأسرار
لم أجد عند العلماء المتقدمين - كما أسلفت - ما يشير إلى ذلك صراحة، وأما المتأخرون فهم على قولين اثنين لا ثالث لهما.
الأول:- الحرمة، وأدلتهم عموم النصوص التي تحرم قتل النفس وإزهاقها.
والقول الثاني:- الجواز، للأدلة التي سوف أتناولها الآن، بل يمكن أن يقال بالوجوب أو الأفضلية، لما يلي:
أولًا: ليعلم أن حماية الدين وأهله أعظم ما يقوم به المجاهد لإعلاء كلمة الله، ولقد جاءنا ما لا يدع مجالًا للشك، بجواز بل فضل فداء المجاهد لدينه وإخوانه بنفسه كما مر معنا.
إلا أنني أضيف إلى ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد احتمى بالصحابة يوم أحد ولم ينكر ذلك، ولم يدل دليل على خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الفعل.
ففي قصة حماية أبي دجانة للرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه ليكون ترسًا له من النبل كما في البداية والنهاية لابن كثير، وقول أبي طلحة للرسول صلى الله عليه وسلم: (نحري دون نحرك) ، كما في الصحيحين وغيرهما، وكان يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحره ويتطاول في ذلك، بل دافع عنه حتى شلت يده التي وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل هذا يفيد مشروعية فداء الأشخاص بالأنفس إذا كان يحدث من قتلهم ضرر على المسلمين أو الدين.
بل بوَّب ابن حبان في صحيحه على حادثة أبي طلحة وقوله: (نحري دون نحرك الفداء) ، بابًا فقال: (باب طاعة الإمام) ، ثم قال: (ذكر الإباحة للمرء أن يفدي إمامه بنفسه) ، ثم ذكر حادثة طلحة رضي الله عنه نحري دون نحرك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم.