ثانيًا: روى أحمد في مسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(لما كانت الليلة التي أسري بي فيها أتت علي رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة؟ فقال هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها قال: قلت: ما شأنها؟
قال: بينا هي تمشط ابنة فرعون ذات يوم إذ سقطت المدري من يدها.
فقالت: بسم الله، فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟
قالت: لا ولكن ربي ورب أبيك الله قالت: أخبره بذلك؟
قالت: نعم، فأخبرته فدعاها، فقال: يا فلانة وإن لك ربًّا غيري؟
قالت: نعم ربي وربك الله، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت - أي قدر كبير - ثم أمر بها أن تُلقى هي وأولادها فيها.
قالت له: إن لي إليك حاجة.
قال: وما حاجتك؟
قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد وتدفننا.
قال: ذلك لك علينا من الحق.
قال: فأمر بأولادها فألقوا بين يديها واحدًا واحدًا إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضع، وكأنها تقاعست من أجله.
قال: يا أمه اقتحمي فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فاقتحمت ... )المسند 1/ 310 [رجاله ثقات إلا أبا عمر الضرير، قال فيه الذهبي وأبو حاتم الرازي: (هو صدوق) ، وقد وثقه ابن حبان] .
وفي هذا الحديث؛ دلالة أن الله أنطق الطفل ليأمر أمه بالاقتحام في النار، وهذا كطفل المرأة من أصحاب الأخدود.
ولو كان في قتل النفس للدين أي محظور لما أثنى الشارع على هذا الفعل، وما إنطاق الطفل إلا آية لبيان فضل هذا الفعل.
وهنا لا يقال هذا شرع من قبلنا وليس بشرع لنا، لأن شرعنا أثنى على هذا الفعل وأتى به في معرض المدح والإقرار.
والدلالة الثانية: أن المرأة في هذه القصة والمرأة الأخرى في قصة الأخدود لم يُدخَلا إلى النار بالقوة وبالمعالجة بل ذهبتا بطوعهما حتى دخلتا النار وباشرتا الدخول في النار بنفسيهما، ولم يصبرا حتى يجبرا , مثل ما فعل الصحابي الجليل كما في البخاري وغيره في قصة السرية التي أمر عليها عاصم بن ثابت حيث أحاط بهم القوم فقالوا لهم؛"انزلوا وأعطونا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ولا نقتل منكم أحدا"، قال عاصم بن ثابت أمير السرية: (أما أنا فو الله لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك) ، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق، منهم خبيب الأنصاري وابن دثنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم، فقال الرجل الثالث: (هذا أول الغدر والله لا أصحبكم، إن في هؤلاء لأسوة) ، يريد القتلى، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فأبى فقتلوه فانطلقوا بخبيب وابن دثنة حتى باعوهما بمكة. والشاهد (فجروه وعالجوه، فأبى فقتلوه) ، أي لم يستسلم لهم وينقاد مثلما انقادت المرأتان.
ثالثًا: ما رواه البيهقي في"السنن الكبرى"قال: قال الشافعي رضي الله عنه: (تخلف رجل من الأنصار عن أصحاب بئر معونة، فرأى الطير عكوفًا على مقتلة أصحابه، فقال لعمرو بن أمية؛"سأقدم على هؤلاء العدو، فيقتلوني، ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابنا"، ففعل، فقتل، فرجع عمرو بن أمية، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولًا حسنًا، ويقال: قال لعمرو:"فهلا تقدمت؟") . السنن الكبرى 9/ 100.