والشاهد قوله: (سأقدم على هؤلاء العدو، فيقتلوني) ، أي ليس له هدف النكاية بالقوم ولا الدفاع عن أصحابه بل مجرد القتل في سبيل الله، وهذا واضح من قوله"سأقدم على هؤلاء العدو، فيقتلوني"، ولم ينكر الرسول صلى الله عليه وسلم فعله هذا بل قال فيه قولًا حسنًا، بل قال لعمرو (فهلا تقدمت؟) .
رابعًا: ما رواه الحاكم في مستدركه وقال: (صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ، عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) .
والشاهد: ترغيب الإسلام في إزهاق الروح من أجل كلمة الحق التي أمر الله بها حيث إن المتقدم للسلطان يعلم مسبقًا أن النتيجة بعد قول كلمة الحق القتل، إذًا هو معين على قتل نفسه ولكن لمصلحة الدين وهو سبب مشروع ومرغب فيه.
لذا قال شيخ الإسلام في"الفتاوى" [ج26/ص182] ، والفتاوى الكبرى [ج2/ص525] ما نصه:(وكذلك أكل الميتة والدم ولحم الخنزير يحرم أكلها عند الغنى عنها ويجب أكلها بالضرورة عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء
قال مسروق:"من اضطر فلم يأكل حتى مات دخل النار"
وذلك لأنه أعان على نفسه بترك ما يقدر عليه من الأكل المباح له في هذه الحال فصار بمنزلة من قتل نفسه، بخلاف المجاهد بالنفس ومن تكلم بحق عند سلطان جائر فإن ذلك قتل مجاهدا ففي قتله مصلحة لدين الله تعالى) أهـ
خامسًا: في الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت لسلمة بن الأكوع رضي الله عنه: على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: (على الموت) .
و الشاهد: هنا أن المبايعة على الموت في سبيل الله ونصرة الدين الذي من محصلته النكاية بالعدو، وليس على النكاية بالعدو وإن لم يكن فلا مبايعة، حيث لا يقال أن الجهاد في سبيل الله ناتج عن النكاية بالعدو بل العكس.
سادسًا: ما رواه ابن جرير الطبري في تاريخه [2/ 338] عند ذكر ما حدث في معركة اليرموك ولما طال القتال قال: (قال عكرمة بن أبي جهل يومئذ:"قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل موطن وأفر منكم اليوم"- أي من الروم - ثم نادى من يبايع على الموت، فبايعه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعًا جراحًا وقتلوا، إلا من برأ، ومنهم ضرار بن الأزور) .
قال: (وأتي خالد بعدما أصبحوا بعكرمة جريحا فوضع رأسه على فخذه وبعمرو بن عكرمة فوضع رأسه على ساقه وجعل يمسح عن وجوههما ويقطر في حلوقهما الماء، ويقول:"كلا! زعم ابن الحنتمة أنا لا نستشهد") .
وروى ابن المبارك في كتاب"الجهاد" [1/ 88] و البيهقي في سننه [9/ 44] عن ثابت؛ أن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه ترجل يوم كذا، فقال له خالد بن الوليد: (لا تفعل فإن قتلك على المسلمين شديد) ، فقال: (خل عني يا خالد، فإنه قد كان لك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقة، وإني وأبي كنا من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، فمشى حتى قتل.
والشاهد: هنا المبايعة على الموت، وليس النكاية بالعدو، بل المقصد الأول الاستشهاد في سبيل الله الذي من محصلته النكاية بالعدو.
سابعًا: ما رواه البيهقي في سننه الكبرى [ك44] وغيره، قال: (وفي يوم اليمامة لما تحصن بنو حنيفة في بستان مسيلمة الذي كان يعرف بحديقة الرحمن أو الموت، قال البراء ابن مالك لأصحابه:"ضعوني في الجفنة - وهي ترس من جلد كانت توضع به الحجارة وتلقى على العدو - وألقوني"، فألقوه عليهم