فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 70

فقاتل وحده وقتل منهم عشرة وفتح الباب وجرح يومئذ بضعًا وثمانين جرحًا)، حتى فتح الباب للمسلمين، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

وهنا لطيفة يحسن التنبيه عليها؛ ألا وهي جلوس البراء بنفسه في الجفنة، أي مشاركته مشاركة مباشرة في هلاك نفسه، لكي لا يقال أن القاتل لنفسه خوف إفشاء الأسرار باشر قتل نفسه بنفسه و البراء ليس كذلك.

بل يضاف إلى ذلك أن أصحابه عاونوه على ذلك.

والمتسبب في قتل النفس بقصد القتل مثل المباشر لقتلها، كما أن المتسبب في قتل غيره بقصد القتل مساو لقتله في أحكام الدنيا، حتى أن جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة رتبوا على من قتل غيره بالتسبب بقصد القتل القصاص من المتسبب كما يقتص من المباشر للقتل، وإن لم يكن بقصد فالدية، وخالف في ذلك الحنفية.

وروى البخاري في"كتاب الديات"عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (قُتل غلام غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به) .

إذًا لا عبرة بالتفريق بين المباشرة في القتل أو التسبب بقصد القتل فالحكم الشرعي واحد.

وفي إقرار الصحابة لهذا الفعل دليل على جواز كل عمل جهادي حتى لو كانت الهلكة فيه محققة، وما نحن فيه هو من الأعمال الجهادية إن لم يكن صلبها.

ثامنًا: ما رواه ابن جرير الطبري في تاريخه [5/ 194] أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما اصطرع يوم الجمل مع الأشتر النخعي، واختلفا ضربتين، ولما رأى عبد الله أن الأشتر سينجو منه، قال كلمته المشهورة: (اقتلوني ومالكًا) .

قال الشعبي: (إن الناس كانوا لا يعرفون الأشتر باسم مالك، ولو قال ابن الزبير: اقتلوني والأشتر وكانت للأشتر ألف ألف نفس ما نجا منها شيء، ثم ما زال يضطرب في يد ابن الزبير حتى أفلت منه) .

وفي طلب الزبير رضي الله عنه من أصحابه أن يقتلوه مع الأشتر دليل على جواز قتل النفس لمصلحة الدين إذا اقتضى الحال ذلك، وإلا لما تجرأ الزبير رضي الله عنه على طلبه هذا.

تاسعًا: روى مسلم في صحيحه قصة أصحاب الأخدود وفيها من الدلالة قوله: (ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به فصعدوا به إلى الجبل فقال اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك فقال له: ما فعل أصحابك؟

قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا فاحملوه في قرقور، فتوسطوا به البحر، فإذا رجع عن دينه وإلا فاقذفوه فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟

قال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟

قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع، ثم خذ سهمًا من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني، فإنك إذا فعلت قتلتني.

فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهمًا من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه, فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات.

فقال الناس: آمنّا برب الغلام، آمنّا برب الغلام، آمنّا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود في أفواه السكك، فخدت وأضرمت النيران

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت