فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 70

وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها، أو قيل له اقتحم، ففعلوا حتى أتوا على امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أمّه اصبري إنك على الحق).

وفي هذا الحديث دلالة على أن الغلام عندما أمر بقتل نفسه فداءً للدين أن ذلك أمر مشروع ولم يسم منتحرًا.

وهنا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود، وفيها أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر) أهـ

ومما يعلم أن مذهب الحنابلة والأظهر عند الشافعية وهو رواية عند الحنفية وصححها القدوري وهي رواية مرجوحة في مذهب مالك.

أن من أمر بقتل نفسه بلا سبب مشروع فهو منتحر، ولم يُعدَّ الغلام منتحرًا لأن فعله بقصد إعزاز الدين، حيث ما وجدنا على وجه الأرض إلا من أجل عبادة الله، ولو كان أمر الغلام أمرًا مجردًا عن مصلحة الدين لما جاز، بل من العبث الذي سيؤاخذ عليه.

والغلام أيضًا لم يوح إليه بفعله ذلك، ولم يكن يعلم النتيجة لفعله مسبقًا، وهذا في نظري القاصر من أقوى الأدلة على جواز مسألتنا آنفة الذكر، بل من فعلَ ذلك فهو من الشهداء بمشيئة الله تعالى، ويظهر هذا في تعريف العلماء للشهيد الذي سيأتي بعد قليل.

عاشرًا: من المقرر عند أهل العلم قاطبة دون استثناء.

أن ليس للمسلم استبقاء نفسه بقتل غيره من المؤمنين (قيدت بالمؤمنين لأن له قتل المرتد و الكافر ليستبقي نفسه مع الخلاف في المعاهد والمستأمن كما هو مدون في كتب الفقه ومشهور حيث بحثها الفقهاء في المضطر إذا لم يجد ما يأكله إلا طعام كافر معاهد أو مستأمن وهو في نفس ضرورة المؤمن فهل له أكل طعامه المترتب عليه موت الكافر كما بحثوها في السفينة الموشكة على الغرق ولا تنجو غالبًا إلا أن يلقى منها أحد ركابها، فمع اتفاقهم في عدم جواز إلقاء المسلم، إلا ما نقل عن الدسوقي المالكي عن اللخمي من جواز ذلك بالقرعة، واختلافهم المشهور في الكافر.) بحال من الأحوال، فكيف من استبقى نفسه بقتل المئات من المسلمين، وذلك أن المأسور إن أفشى سر المسلمين الذي فيه هلاكهم، فوازعه، ودافعه في ذلك أن يتخلص من العذاب الواقع عليه، ولا يكون ذلك إلا أن يفشي السر، ويهلك المسلمين في سبيل راحته، وهل يقول بذلك جاهل فضلًا عن عالم؟!

لذا جاءت عبارة"التاج المهذب"- الصواب التاج المذهب لأحكام المذهب تأليف أحمد بن يحيى بن المرتضى الزيدي - ما يلي: (ولا يجوز له أن يستفدي نفسه بقتل غيره) .

ومن ذلك أن المكرهَ على القتل إذا قتل يقتل؛ لأنه قتل من يكافئه ظلما استبقاء لنفسه فقتل، كما لو قتله الجماعة.

وقال أبو حنيفة، وسحنون:"لا يقتل"، وهي عثرة من سحنون وقع فيها بأسد بن الفرات الذي تلقفها عن أصحاب أبي حنيفة بالعراق وألقاها إليه، ومن يُجَوزُ له أن يقي نفسه بأخيه المسلم.

وقد قال رسول الله: (المسلم أخو المسلم لا يثلمه ولا يظلمه) .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) ، قالوا: يا رسول الله! هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟!

قال: (تكفه عن الظلم فذلك نصرك إياه) [بدائع الصنائع للكاساني] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت