هذا لا يتصور فيه إكراه، ولا يسوغ. مثل لو قالوا: نقتلك إذا لم تبغض الرسول في قلبك، وهذا ليس فيه إكراه مهما كان. وذلك لأنه ليس له سلطة على قلبك ...
إلا أنه يجب على المكره أن يُهاجر إلى بلد يأمن فيه، إذا كان قادرًا على الهجرة؛ كما قال تعالى: (قالوا فيمَ كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض اللَّه واسعة فتهاجروا فيها النساء97. وهذه نزلت فيمن يقدر على الهجرة وتركها.) .هـ. التوضيح و التتمات على كشف الشبهات صـ150ـ151
العزيمة في حق المسلم عدم تسليم نفسه للأسر ويجوز الاستئسار بشروط.
والدليل على ذلك فعل الصحابة الكرام وإقرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية عينًا وأمّر عليهم عاصم بن ثابت وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب فانطلقوا حتى إذا كان بين عسفان ومكة ذُكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان , فتبعوهم بقريب من مائة رام فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلًا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة فقالوا: هذا تمر يثرب فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم فلما انتهى عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا , فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر اللهم أخبر عنا نبيك.
فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنبل وبقي خبيب وزيد ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث الذي معهما هذا أول الغدر فأبى أن يصحبهم فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة ... )
قال الحافظ رحمه الله تعالى: (وفي الحديث: للأسير أن يمتنع من قبول الأمان ولا يمكن من نفسه ولو قتل، أنفة من أن يجري عليه حكم الكافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة، فإن أراد الأخذ بالرخصة فله أن يستأمن) فتح الباري 7/ 384.
وقال أحمد بن حنبل: (لا يعجبني أن يستأسر، يقاتل أحب إليَّ، الأسر شديد ولابد من الموت) الأنصاف 4/ 255.
وقال ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى:(وإذا خشي الأسر فالأولى له أن يقاتل حتى يقتل، ولا يسلم نفسه للأسر، لأنه يفوز بثواب الدرجة الرفيعة، ويسلم من تحكم الكفار عليه بالتعذيب والاستخدام والفتنة.
وإن استأسر جاز لما روى أبو هريرة"أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عشرة عينا، وأمر عليهم عاصم بن ثابت، فنفرت إليهم هذيل بقريب من مائة رجل رام، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه، لجئوا إلى فدد فقالوا لهم: انزلوا فأعطونا ما بأيديكم، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا , فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصما في سبعة معه، ونزل إليهم ثلاثة على العهد والميثاق، منهم خبيب وزيد بن الدثنة، فلما استمكنوا منهم، أطلقوا أوتار قسيهم، فربطوهم بها"متفق عليه.
فعاصم أخذ بالعزيمة، وخبيب وزيد أخذا بالرخصة، وكلهم محمود غير مذموم ولا ملوم.) أ. هـ. المغني 9/ 255.
وقال النووي رحمه الله تعالى: (فمن وقف عليه كافر أو كفار وعلم أنه يقتل إن أخذ فعليه أن يتحرك ويدفع عن نفسه بما أمكن يستوي فيه الحر والعبد والمرأة والأعمى والأعرج والمريض ولا تكليف على الصبيان والمجانين.