إلا أن الأولى أن يقتله هنا ليعتبر غيره، فإن كان مكان الرجل امرأة فلا بأس بقتلها أيضا إلا أنه يكره.
والشيخ العاقل الذي لا قتال عنده بمنزلة المرأة أيضا، أما الصبي فلا يجعل فيئا ولا يقتل.
أما الجاسوس الذي ظاهره الإسلام: فاختلفت آراء الفقهاء فيه.
قال الحنفية والشافعية والحنبلية: لا يقتل بل يعزر.
وقال مالك وابن القاسم وأشهب من المالكية: يجتهد في ذلك الإمام.
وقال عبد الله بن الماجشون من المالكية: (إذا كانت تلك عادته؛ قتل، لأنه جاسوس) وقد قال مالك بقتل الجاسوس وهو صحيح لإحرازه بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض) تفسير القرطبي (81/ 25) .
وقال الأوزاعي: (عاقبه الإمام عقوبة منكلة وغربه إلى الآفاق) شرح السنة للبغوي 10/ 71.
جاء في السير الكبير: (قال محمد بن الحسن: إذا وجد المسلمون رجلا - ممن يدعي الإسلام - عينا للمشركين على المسلمين يكتب إليهم بعوراتهم، فأقر بذلك طوعا فإنه لا يقتل، ولكن الإمام يوجعه عقوبة) .
والأصل في هذا الباب؛ حديث حاطب بن أبي بلتعة البدري الذي كتب إلى كفار مكة يخبرهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يريد غزوهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما هذا يا حاطب?!) ، فقال: (لا تعجل علي إني امرؤ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسها وكان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أقربائهم ولم يكن لي بمكة قرابة، فأحببت إذا فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا، والله ما فعلته شكا في ديني ولا رضى في الكفر بعد الإسلام) . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه قد صدق) . فقال عمر: (يا رسول الله دعني أجز عنق هذا المنافق؟) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه قد شهد بدرا وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، فنزلت {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} حديث متفق عليه.
جاء في شرح السنة [01/ 47] : قال الإمام: (في حديث حاطب دليل على حكم التأول استباحه المحظور خلاف حكم المعتمد لاستحلاله من غير تأويل وأن من تعاطى شيئا من المحظور ثم ادعى له تأويلا محتملا لا يقتل منه. وأن من تجسس لكفار ثم ادعى تأويلا وجهالة يتجافى عنه) .
وقد استدل الجمهور بالآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} ، فقد سمى الله حاطب بن أبي بلتعة مؤمنا ... والمؤمن لا يجوز قتله ولا سفك دمه. وقد مال ابن القيم إلى رأي الإمام مالك، ونحن نرى رأي الإمام مالك رحمه الله.
قال ابن القيم [في زاد المعاد: 3/ 411] : (ثبت عنه أنه قتل جاسوسا، واستأذن عمر في قتل حاطب فقال: ومايدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) .
فاستدل به أيضا من يرى قتله كمالك وبعض أصحاب أحمد وغيرهم رحمهم الله، قالوا؛ لأنه علل بعلة مانعة من قتله، لم يعلل بأخص من أهل بدر، لأن الحكم إذا علل بالأعم كان الأخص عديم التأثير، وهذا أقوى والله تعالى أعلم.) أ. هـ.
وقال الشيخ أبو يحيى الليبي حفظه الله تعالى في كتابه"المعلم في حكم الجاسوس المسلم"
( ... الجواسيس الذين ظاهرهم الإسلام على قسمين:
القسم الأول: من كان نوع تجسسه إعانة صريحة للكفار على المسلمين وهو الذي يدخل دخولًا جليًا في مسمى المظاهرة، فهذا مرتدٌ، وحكمه -من جهة القتل وعدمه-حكم الزنديق، إن جاء تائبًا قبل القدرة عليه قُبلت توتبه وإلا فيتعين قتله إلا إن كان في تركه مصلحة واضحة راجحة فلا بأس بتركه وإطلاقه مراعاةً لها.