وذهب أبو ثور - وهو الرواية الأخرى عن مالك والشافعي - إلى أنه لا يُقبل منه الرجوع عن الإقرار بعد كماله كغيره من الإقرارات، واستدلوا بما ورد في حديث جابر في قصة ماعز بنحو حديث أبي هريرة، وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم: «فهلا تركتموه وجئتموني» . قال جابر: «ليستثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه، فأما ترك حدٍّ فلا» [1] .
قلت: والأوَّل أرجح.
2 -الشبهة، فلا يجب الحد بالتُّهم ولا بالظن [2] :
اتفق الفقهاء - خلافًا لابن حزم وأصحابه - على أنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات، والشبهة: ما يشبه الثابت وليس بثابت، سواء كانت في الفاعل: كمن وطىء امرأة ظنَّها خليلته، أو في المحل: بأن يكون للواطىء فيها ملك أو شبهة
ملك كالأمة المشتركة، أو في الطريق: بأن يكون حرامًا عند قوم، حلالًا عند غيرهم، والأصل في هذا:
1 -حديث ابن عباس: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاعن بين العجلاني وامرأته» فقال شداد بن الهاد: هي المرأة التي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمتها» قال: لا، تلك امرأة أعلنت [3] .
2 -ما يُروى مرفوعًا: «ادرءوا الحدود بالشبهات» [4] .
3 -وما يُروى عن عائشة مرفوعًا: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة» [5] وهما ضعيفان، وفي الباب عن أبي هريرة وغيره وفيه ضعف، لكن الأمة تلَّقت معنى هذه الأحاديث بالقبول.
4 -وعن ابن مسعود قال: «ادرءوا الجلد عن المسلمين ما استطعتم» [6] .
(1) إسناده حسن: أخرجه أبو داود (4420) .
(2) «ابن عابدين» (3/ 149) ، و «القوانين» (347) ، و «الروضة» (10/ 92) ، و «كشاف القناع» (6/ 96) ، و «المحلى» (11/ 153) ، و «الأشباه والنظائر» للسيوطي (122) .
(3) صحيح: أخرجه مسلم (1497) ، وابن ماجة (2559، 2560) .
(4) ضعيف: وانظر «إرواء الغليل» (2316) .
(5) ضعيف: أخرجه الترمذي (1424) ، والدارقطني (3/ 84) ، والبيهقي (8/ 238) ، وانظر «الإرواء» (2355) .
(6) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (5/ 511) ، والبيهقي (8/ 238) .