هل تُقام الحدود على المسلم في دار الحرب؟ [1]
إذا أصاب المسلم - في أرض العدو - حدًّا من سرقة أو شرب خمر أو نحوهما من موجبات الحدود فقد اختلف أهل العلم في إقامة الحدِّ عليه على ثلاثة أقوال:
الأول: يقام عليه الحد سواء كان في دار الإسلام أو دار الحرب، وهو مذهب المالكية، وحكاه البيهقي وغيره عن الشافعي، وبه قال أبو ثور وابن المنذر، وحجتهم:
1 -أن الأدلة الآمرة بإقامة الحدود مطلقة، في كل مكان وزمان، كقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [2] .
2 -حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «جاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر» .
الثاني: لا حدَّ عليه في دار الحرب، لا إذا رجع، وهو مذهب أبي حنيفة على ما نقله ابن قدامة وابن القيم عنه - وقيَّده الحنفية بعدم وجود خليفة المسلمين ف دار الحرب، فإن كان معهم وجبت إقامة الحدود على من تلبَّس بها ولا تؤخَّر، فإن لم يكن معهم سقط الحد، واحتجوا بحديث: «لا تقام الحدود في دار الحرب» [3] ولا أصل له.
ويستدل لهم بان سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أسقط الحد - حدَّ الخمر - عن أبي محجن، فخلَّى سبيله، وقال: «والله لا أضرب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهم» [4] .
الثالث: لا يقام عليه الحد في أرض الحرب، ولا يسقط عنه بالكلية، بل يؤخَّر حتى يرجع إلى أرض الإسلام:
وهو مذهب أحمد وإسحاق والأوزاعي، واستدلوا بما يلي:
(1) «شرح فتح القدير» (5/ 46) ، و «جواهر الإكليل» (2/ 286) ، و «المغني» (10/ 537 - مع الشرح الكبير) ، و «سنن البيهقي» (9/ 103) ، و «نيل الأوطار» (7/ 163) ، و «الحدود والتعزيزات» (ص: 39 - وما بعدها) .
(2) سورة النور: 2.
(3) لا أصل له: قال ابن الهمام الحنفي في «فتح القدير» (5/ 46) : «لا يُعلم له وجود» اهـ.
(4) صحيح: أخرجه سعيد بن منصور (2502) ، وابن أبي شيبة (6/ 550) ، وعبد الرزاق (9/ 243) .