يباح له الفطر ذلك اليوم، ووجه ذلك: أن الصوم عبادة تختلف بالحضر والسفر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة [1] .
وذهب أحمد وإسحاق والحسن -وهو اختيار ابن تيمية، وهو الراجح في المسألة -إلى جواز الفطر في ذلك اليوم [2] ، لعموم قوله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [3] . ولحديث جابر المتقدم قريبًا في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام الفتح، وفيه: «... فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون إليه» [4] .
ونحوه حديث ابن عباس ففيه: «.. ثم دعا بماء فرفعه إلى يده ليراه الناس فأفطر حتى قدم مكة، وذلك في رمضان ...» [5] .
ويؤيد هذا المذهب كذلك حديث محمد بن كعب قال: «أتيت -في رمضان- أنس بن مالك، وهو يريد سفرًا، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ فقال: سنة، ثم ركب» [6] .
وعن عبيد بن جبير قال: «ركبت مع أبي بصرة الغفاري في سفينة من الفسطاط في رمضان، فدفع ثم قرب غداؤه، ثم قال: اقترب، فقلت: ألست بين البيوت؟ فقال أبو بصرة: أرغبت عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» [7] .
تنبيه: في الحديثين الأخيرين دليل على أن للمسافر أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه، قال ابن العربي: وأما حديث أنس فصحيح يقتضي جواز الفطر مع أهبة السفر، وهذا هو الحق [8] اهـ.
وقد منع الجمهور من الفطر قبل مغادرة بلده، لأنه قبل المغادرة لا يكون على سفر بل هو ناو للسفر، لكن ...
(1) «حاشية ابن عابدين» (2/ 431) ، و «القوانين» (106) ، و «المجموع» (6/ 261) .
(2) «الإنصاف» (3/ 289) ، و «مجموع الفتاوى» (25/ 212) .
(3) سورة البقرة: 185.
(4) صحيح: تقدم قريبًا.
(5) صحيح: أخرجه البخاري (1948) .
(6) صححه الألباني: أخرجه الترمذي (799) ، والبيهقي (4/ 247) ، والدارقطني (2/ 187) ، والضياء في «المختارة» (2602) وغيرهم، وللعلامة الألباني رسالة في تصحيحه فلتراجع.
(7) أخرجه أبو داود (2412) ، وأحمد (6/ 398) ، والدارمي (1713) ، والبيهقي (4/ 246) وانظر الرسالة المشار إليها قبله.
(8) «نيل الأوطار» (4/ 271) .