فإن أضاف لفظ الأمانة إلى لفظ الجلالة فقال: «وأمانة الله» فمن العلماء من اعتبرها يمينًا موجبة للكفارة، لأن أمانة الله صفة من صفاته، فجاز الحلف بها (!!) .
وفيه نظر: لعدم الدليل على أن الأمانة صفة من صفات الله، وإنما هي أمر من أوامره، وفرض من فروضه، فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله تعالى وصفاته [1] ، ثم لثبوت النهي عن الحلف بالأمانة، فالصحيح أنه لا يجوز ذلك مطلقًا وهو قول الحنفية، ونسبه ابن عبد البر وغيره إلى الشافعي [2] .
الحلف بملة غير الإسلام:
إذا أخبر الإنسان عن نفسه أنه إن فعل كذا، أو إن لم يفعل كذا، أو إن حصل كذا، أو إن لم يحصل، فهو يهودي أو نصراني أو كافر ونحو ذلك- فهذا حرام يقع فاعلهُ في الإثم سواء صدق أو كذب، لحديث ثابت بن الضحاك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بحديدة عُذِّب به في نار جهنم» [3] .
وحديث بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف فقال: إني بريء من الإسلام، فإن كان كاذبًا فهو كما قال، وإن كان صادقًا فلن يرجع إلى الإسلام سالمًا» [4] .
ثم اختلف أهل العلم: هل هذه يمين شرعية أم لا؟ [5] فقال مالك والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين والليث وأبو ثور وابن المنذر: ليست يمينًا، ويستدل لهم بأنه ليس حلفًا باسم الله ولا بصفته، فلا يكون يمينًا، ولا كفارة فيها.
وقال الحنفية وأحمد -في الرواية الأخرى- والحسن والثوري والأوزاعي
(1) «معالم السنن» للخطابي.
(2) «البدائع» (3/ 6) ، و «المغنى» (11/ 207) ، و «التمهيد» (14/ 372) .
(3) صحيح: أخرجه البخاري (1363) ، ومسلم (110) .
(4) صحيح: أخرجه أبو داود (3258) ، والنسائي (3772) ، وابن ماجه (2100) ، وأحمد (5/ 356) .
(5) «البدائع» (3/ 8، 21) ، و «ابن عابدين» (3/ 55) ، و «الشرح الصغير» (1/ 330) ، و «نهاية المحتاج» (8/ 169) ، و «المغنى» (11/ 198 - 201) ، و «الإنصاف» (11/ 31) ، و «مجموع الفتاوى» (35/ 274) .