بل أربعة؛ فقد كان الشيطان رابعنا، نذهب لاصطياد أعراض المسلمين بالكلام المعسول، نستدرجهن إلى الاستراحة في المزارع البعيدة بعد موت قلوبنا وأحاسيسنا ومشاعرنا، هكذا كانت حياتنا. يقول: أيامنا ليالينا في المزارع والمخيَّمات في السيارات على الشواطئ، إلى أن جاء يوم، وذاك اليوم لا يُنسى، ذهبت إلى المزرعة مع أصحابي، كل شيء جاهز، الشراب جاهز ونعوذ بالله، الفريسة جاهزة ونعوذ بالله، نسينا الطعام، ذهب أحدنا لشراء طعام العشاء بسيارته في حوالي السادسة تقريبًا، مرت الساعات تلو الساعات دون أن يعود، وفي العاشرة شعرت بالقلق، شعرت بالضيق، انطلقت بسيارتي أبحث عنه، وفي الطريق شاهدت ألسنة النيران تندلع على جانبي الطريق، يا للهول! فوجئت بأنها سيارة صديقي، النار تلتهمها، مقلوبة على أحد جانبيها، كالمجنون أسرعت أحاول إخراجه من السيارة، وجدت نصف جسده قد تفحَّم، لم يزل على قيد الحياة، سحبته إلى الأرض، فتح عينيه وأخذ يهذي، النار، النار،النار، قررت حمله بسيارتي إلى المستشفى، فقال بصوت باكٍ حزين: لا فائدة، لن أصل، ما عسى يُغني غريق عن غريق، خنقتني الدموع، أراه يموت أمامي، ثم فوجئت به يصرخ بأعلى صوته، ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟ دُهشت وقلت له: من هو؟ قال: الله، الله، ماذا أقول له؟ ثم صرخ صرخة مدوِّية، ولفظ آخر أنفاسه، اجتاح الرعب جسدي ومشاعري، صورته لم تفارقني، يصرخ النار، النار، والنار تلتهمه، وهو يقول: ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟ تساءلت، وقلت: وأنا، ماذا أقول له؟ لا إله إلا الله. فاضت عيناي، اقشعرَّ جسدي، وإذا بالمنادي ينادي: الله أكبر، الله أكبر، نداء صلاة الفجر، أحيا فيَّ كل جارحة، أحسست لأول مرة أنه نداء خاص بي، يهز أعماقي، يدعوني بإسدال الستار على فترة مظلمة من حياتي، يدعوني إلى الهداية، إلى السعادة. اغتسلت، تطهرت، أسقطت عن جسدي وروحي ثقل رذائل غرقت فيها سنوات وسنوات، أدَّيت صلاة الفجر،