يسجد عليه الصلاة والسلام السجدة الواحدة مقدار ما يقرأ الواحد منا خمسين آية، ويركع الركعة الواحدة مقدار ما يقرأ القارئ منا خمسين آية، هذا في صلاة الليل، يدعو ويبكي إلى الصباح، حتى تسقط بردته من على كتفيه، كما في ليلة بدر، يناجي ربه، ويقرأ كتابه، ويتبتل إلى الله؛ لأن العبادة أقرب باب إلى الله.
ونحن أيها المسلمون: في سعد ورغد، في عيش رضي، في أمن وصحة، الموائد الشهية، الفلل البهية، المراكب الوطية، ومع ذلك نترك صلاة الجماعة إلا من رحم الله، أيُّ أمة نحن، أي قلوب نحملها، إذا لم نقم بالصلوات الخمس، كما أرادها الله عز وجل.
قال بلال كما روى ابن جرير وابن مردويه: مررت على رسول الله قبل صلاة الفجر، فسمعته يبكي فقلت: مالك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي هذه الليلة آيات، ويلٌ لمن قرأها ولم يتدبرها قلت: ما هي يا رسول الله؟ فأخذ يقرأها ويبكي: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النار [آل عمران:190-191] .
كيف ترقى رقيك الأولياء يا سماء ما طاولتها سماءُ
إنما مثلوا صفاتك للناس كما مثل النجوم الماءُ
حن جذع إليك وهو جماد فعجيب أن يجمد الأحياءُ
كان عليه الصلاة والسلام يصوم، فيواصل الليل بالنهار، ثلاثة أيام وأربعة أيام، لا يأكل شيئًا فأراد الصحابة أن يواصلوا كما يواصل فقال: (( لا إنكم لستم كهيئتي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ) ) [7] ، لا يطعمه طعامًا، ولا يسقيه شرابًا، إنما حكمًا ومعارفًا، وفتوحاتٍ ربانية وإلهامات إلهية.
لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الطعام وتُلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور تستضيء به ومن حديثك في أعقابها حاد