يصوم في السفر وقد التهب الجو، قال أبو الدرداء كنا في شدة الحر حتى والله الذي لا إله إلا هو، إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة حرارة الشمس، وما فينا صائم إلا رسول الله وابن رواحة.
يجلس مع الصحابة، فيقول لابن مسعود: (( اقرأ علي القرآن ) )، فيندفع يقرأ عليه حتى بلغ قوله تعالى: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا [النساء:41] . قال: (( حسبك ) )، قال ابن مسعود، فنظرت فإذا عيناه تذرفان [8] .
يبكي تواضعًا لله تبارك وتعالى، وشفقة على هذه الأمة.
قالت عائشة رضي الله عنها استفقت ليلة من الليالي فبحثت عن الرسول، عليه الصلاة والسلام، فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك [9] .
أيها المسلمون:
متى يقدّم الإنسان للقبر ما لم يقدم هذه الليالي، متى يصلي إذا لم يصل هذه الأيام، متى يذكر الله إذا لم يذكر الله في هذه الأوقات.
إذا دفن الإنسان فلن يصلي عنه أحد، ولن يصوم عنه أحد، ولن يذكر عنه أحد.
أتيت القبور فناديتها أين المعظم والمحتقر
تفانوا جميعًا فما مخبر وماتوا جميعًا ومات الخبر
تسير وتغدو بنات الثرى فتمحو محاسن تلك الصور
رسول الله هو أعبد الخلق لله، وأشدهم له خشية، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك أجهد نفسه في العبادة، في صلاة الليل، في الذكر، في تلاوة القرآن، في التسبيح والتهليل.
فتمسكوا - رحمكم الله - بهديه، وعضوا على سنته بالنواجذ، ففي الأثر الإلهي:
لو جاءوني من كل طريق واستفتحوا علي من كل باب، ما فتح لهم حتى يأتوا خلفك يا محمد.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.