تلك عشرة كاملة .. أهديها لمحبِّ النصح ، وعاشق الفضيلة وطلابِ الحقيقةِ ، وشُداةِ الإصلاح ، وروَّادِ المعرفة: (إنْ أُريدُ إلا الإصلاحَ ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) .
دَعْها كما شاءها الرحمنُ جاريةً الله يحفظُها والله يرعاهَا
لها من الوحي نورٌ تستضيءُ به وبهجةُ الغارِ تبدو في محيَّاها أما بعد:
فهذه عشرُ سنواتٍ طويلاتٍ قصيرات ، فيها حسناتٌ وسيئات ، ومضحكاتٌ ومبكياتٌ ، مَّرتْ بسرورِها وحزنِها ، ونعيمها وبؤسِها ، وغناها وفقرِها ، ولذَّتِها ومعاناتِها.
مرتْ سنونٌ بالسعودِ وبالهنا فكأنها من قِصْرها أيامُ
ثم انثنتْ أيامُ هجرٍ بعدها فكأنها من طُولها أعوامُ
ثم انقضتْ تلك السنونُ وأهلُها فكأنها وكأنهم أحلامُ!
انتهت هذه العشر عندنا ، لكن ما انتهت عند الله (عِلْمُها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) .
أما بعد:
فإن الداعية ليس له حقل واحد لا يعمل إلا فيه ، بل حقولٌ متعددة ، وميادينُ مختلفة ، ومنابرُ شتى ، فالدعوةُ لا يحدُّها حدّ ، ولا يحصرُها حَصْر ، ولا يقيدُها قيد. إنَّ الدعوةَ تجري في دم الداعية ، يقولُها كلمةً ، ويصوغُها عبارةً ، ويُنشدُها قصيدةً ، ويدبِّجُها خطبةً ، وينقلُها فكرةً ، ويؤلفُها كتابًا ،ويلقيها محاضرة.
إنها قد تكون مع النفس في محاسبةٍ ومراقبة ، وتكون مع الأمّ برًا وحنانًا ، ومع الأبِ شفقةً ورحمة ، ومع الابن تربيةً وأدبًا ، ومع الجار إحسانًا وبرًا ، ومع المسلمِ مصافاةً ومودة ، ومع الكافر دعوةً وحوارًا.
فهذا إبراهيمُ الخليلُ يتلطفُ بأبيه (يا أبتي) ، وهذا نوح ينوح على ابنه: (يا بني اركب معنا) ، وهذا مؤمن آل فرعونَ يعطف على قومِه: (يا قومي) . وهذا مؤمن آل ياسين ينادي وهو في الجنة: (يا ليت قومي يعلمون) .