عشر فاجتمعوا ، فنظر إليهم ، ثم ذرفت عيناه دموعًا حرَّى ، وقال: أفديكم بنفسي أيها الفتية الذين تركتهم فقراء لا شيء لهم ، يا بني إن أباكم خُيِّر بين أن تستغنوا ويدخل النار، أو تفتقروا ويدخل الجنة ، فكان أن تفتقروا ويدخل الجنة أحب إليه من أن تستغنوا ويدخل النار، إن وليَّي فيكم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ، ثم تلا قوله تعالي: ( تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا للذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوا فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) عباد الله كلنا في امتحان ، فبين راسب وناجح ، والمادة هي لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، بين عامل بمقتضاها قائم بأركانها وشروطها وواجباتها ، قالها موقنا محبًا منقادًا مستسلمًا ، صدَّقها قلبه ، وعملت جوارحه بها ، فهو الناجح ، وأي نجاح ! . وآخر قالها بلسانه وما صدقها بالعمل ، فهو الراسب المنافق . وآخر لم ينطقها ، فإلى جهنم وبئس القرار . هاهي رسالة امتحان ، تأتي لصلاح الدين من أحد المسلمين على لسان المسجد الأقصى الأسير في يد الصليبين يوم ذاك ، واليهود اليوم مع الصليبيين، تقول الرسالة وهي امتحان واختبار لصلاح الدين:
يا أيها الملك الذي *** لمعالم الصلبان نكَّس
جاءت إليك ظِلامَةٌ *** تسعى من البيت المقدس
كل المساجد طهِّرت *** وأنا على شرفي منجَّس
امتحان لصلاح قام صلاح الدين فيه يصوم نهاره ، ويقوم ليله ، ويشحذ هِمَمَ الأمة الإسلامية ، ويصدر أوامره ألا يضحك أحد ، ولا يمزح أحد ، ولا يفكر أحد إلا باسترداد بيت المقدس ، ويقودها حملة لا تبقي ولا تذر بعد استعداد جيد للامتحان ، فيدمر الصليب ، ويحرر فلسطين والمسجد الأقصى ؛ ليكون قدوة لمن يريد استعادة الأقصى السليب. ثم ماذا بعد صلاح الدين أيها الأخوة ؟ استيقظ اليهود يوم نمنا فدنَّسوه ، ودخلوا إلى قبر صلاح الدين ورفسوه ، وقالوا: ها قد عدنا يا صلاح الدين، فيا ليت صلاح الدين يرى