وعنه أيضًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أبايعك على أن تعبد الله, وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة, وتناصح المسلمين, وتفارق المشرك . صحيح الجامع (1-678) ."
فانظر - رعاك الله - إلى أي مدى من الخطورة يُشعِر بها هذا الحديث في الإقامة بين المشركين والقرب منهم, بل انظر إلى الدقة في الحرص على قطع جميع العلائق حتى ما كان منها بالاتصال البصري (تراءى نارهما) ذلك أن هذا الأمر يفضي إلى ما قدمناه من الألفة والأنس به والتطبع على مقاربته, ويزيل من النفس الوحشة والنفرة من المشرك ومعاداته على سبيل المسارقة والتدرج, بل قد يفضي به إلى مودته لما قد يتصف به من حسن خُلُقٍ وطيب معشر وكرم جوار ، وينبهر بما لديه من تقنية أو حرفة أو علم فيحبه لذلك, ولأجل هذا القرب وما تبعه من آثار غاب عنه منافرة المشرك وبغضه واستشعار حقيقة (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) التوبة /28
إذا ما عملت هذا تجلت لك الحكمة من قوله صلى الله عليه وسلم:"لا تراءى نارهما"وما في ذلك من المبالغة في مباعدة المشرك وبغضه, ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يقرر ذلك في نفوس أصحابه فيقول لجرير بن عبد الله - رضي الله عنه - في بيعته, ويبايعه على (وتفارق المشرك) .
ثم إلى إشراقة أخرى من أنورار الوحي فيما يرويه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسو الله صلى الله عليه وسلم:"والفجر والخيلاء في أصحاب الإبل , والسكينة والوقار في أهل الغنم". مسلم (2, 223, ج 190) .
فانظر إلى أثر التقارب على كلا الفريقين. قال صلى الله عليه وسلم من حديث أبي مسعود - رضي الله -:"والجفاء وغلظ القلوب في الفدَّادين عند أصول أذناب الإبل". البخاري مع الفتح (7/701 ح/4387) , مسلم 2/219 /179) .
قال الإمام النووى - رحمه الله -: وقوله"عند أصول أذناب الإبل"معناه: الذين لهم جلبة وصياح عند سوقهم لها" (15) مسلم بشرح النووى (2/221) ."