هنا انفرجت أساريره عليه السلام، وزال همه وانزاح غمه، وهو يرى أبناء أمته يشعرون بحاجة إخوانهم، ويهتمون لهمهم ويرسمون في صورة رائعة شعور الجسد الواحد والأمة الواحدة بأشجار الإخاء وزهور المحبة، فقال عليه الصلاة والسلام مبينًا قاعدة مهمة في هذا الدين تدل على سموه وعلوه وعظمته ويسره: (( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ) )رواه مسلم [1] .
إنها الصدقة شعار المتقين، ولواء الصالحين المصلحين, زكاة للنفوس، ونماء في المال، وطهرة للبدن، مرضاة للرب، بها تدفع عن الأمة البلايا والرزايا، تطهّر القلوب من أدران التعلق بهذه الدنيا وأوضارها وشهواتها وملذاتها.
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [التوبة:103] .
وفي أعظم مضمار سباق شهدته الدنيا, قال عمر رضي الله عنه يومًا: لأسبقن أبا بكر اليوم، فخرج بنصف ماله.
(( يا عمر ما تركتَ لأهلك؟ ) )
تركتُ لهم مثله.
فجاء الصديق بماله كله.
(( يا أبا بكر ما تركتَ لأهلك؟ ) )
تركتُ لهم الله ورسوله [2] .
إنه عمق الإيمان، وصدق اليقين بالله، وإخلاص التوكل عليه، والشعور بجسد الأمة الواحد.
وإلا ما الذي يدفع الصديق أن يخرج بماله كله, وعمر بنصف ماله؟!
روى الترمذي ـ وقال: حسن صحيح ـ وأحمد وبعضه في مسلم, عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( ثلاثة أُقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فاحفظوه ـ قال: ـ ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عز وجل بها عزًا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر.
وأحدثكم حديثًا فاحفظوه ـ قال: ـ إنما الدنيا لأربعة نفر: